الجزائر اليوم لا تحتفل بالاستقلال، بل تُدخن ذكراه في صمتٍ ثقيلٍ كصوت الجنرالات حين يقررون الحديث عن الحرية. 63 سنة بعد الخروج من عباءة الاستعمار الفرنسي، يبدو أن السلطة الجزائرية لم تغادر فعليًا حنينها العميق إلى القيد، ولا تزال تتقن لعبة “الاستقلال بدون استقلالية”، و”السيادة بدون مواطنين”.
لم تعد الانتقادات تخرج فقط من أفواه المعارضين الراديكاليين، أولئك الذين يمارسون السياسة من شرفات المنفى أو خلف أسوار المحاكم، بل تسللت حتى إلى دوائر “المعارضة المعتدلة”، تلك التي كانت تعرف كيف تبتسم للكاميرات دون أن تزعج الجنرالات.
عبد العزيز رحابي، الوزير والدبلوماسي السابق، أطلق صرخة تكاد تكون آخر نداءات الكرامة من داخل السفينة الغارقة. الرجل، الذي عانق السلطة يومًا ثم خاصمها بأدب، كتب على صفحته الرسمية ما يُشبه بيان وداع للوطن الذي “أُعفي من الحرية، وعُيّن بدلاً عنها هاشتاغ”.
#حرية_الجزائر
#الاستقلال_المغشوش
في بلد، تتحول فيه الانتخابات إلى نُسخ مشوهة من مسرح الظل، بدا رحابي وكأنه يُسائل روح الثورة: “هل ماتت من أجل أن تتحول العدالة إلى سلاح ترهيب، وتصبح المحكمة الدستورية فرعًا إداريًا في وزارة الداخلية؟” بلغة لا تخلو من ألم، قارن بين نضال أجيال كاملة من أجل الكرامة، وبين واقع اليوم حيث المواطن الجزائري “يتسول حقه في التعبير، كما يتسول ثمن فنجان قهوة مدعومة”.
كل شيء بات مشلولًا: الأحزاب مجرد أرشيف رطب في أدراج وزارة الداخلية، والمجتمع المدني كُبل بألف وثيقة وجهاز رقابة، والإعلام الوطني بات يُدار كقاعة انتظار في مركز بريد مغلق. وحتى السلطة نفسها، لم تعد تعرف مع من تتحدث، ولا لماذا.
تلك الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي فُقد فيها أكثر من مليوني صوت بين هيئة وأخرى، تصلح اليوم كأمثولة مدرسية عن كيف “لا يجب أن تنظم اقتراعًا إن كنت تخشى النتائج”.
#صوتي_لا_يُحتسب
#انتخابات_منتهية_الصلاحية
وعندما تنتهي الهيئات الدستورية إلى مهزلة، وتُستبدل برؤساء بالنيابة يبلغون الثمانين، فإن الوطن لا يعود ينتج السياسة، بل يُنتج السخرية. ولم يكن بوسع بوشعيب البازي – كصحفي ينتمي إلى مدرسة الواقعية المؤلمة – إلا أن يتساءل:
“هل نحن أمام دولة فعلًا، أم أمام ذكرى متعفنة لدولة لم تكتمل؟”
شبكات التواصل، التي باتت ملجأ المعارضة والمواطنين والساخرين والمقهورين على حد سواء، تُثبت يومًا بعد يوم أن النظام فشل في احتكار حتى الخوف. الشعب بات يضحك على التلفزيون الرسمي، ويستقي وعيه من يوتيوب وتويتر، حتى في قضايا السيادة والأمن.
#الجزائر_تغرد
#حرب_هاشتاغات
يقول رحابي إن الشعبوية تنمو، والتشهير ينتشر، والإعلام التقليدي فقد مصداقيته. في الحقيقة، لم تكن المشكلة يومًا في الشعب، بل في من قرر أن “الشعب مجرد خطر يجب احتواؤه”. السلطة أرادت ترويض الجزائريين، فصنعت نظامًا لا يُنتج إلا الصمت… والصمت، كما يعرف الجميع، هو أول أبواب الانفجار.
والآن، ومع كل منشور ينتقد، وكل تغريدة تُكذب، وكل هاشتاغ يُفضح، يتضح أن الجزائر لم تعد فقط تائهة، بل صارت تائهة وتخاف من مراياها.
#الجزائر_تبحث_عن_نفسها
#الجزائر_في_زمن_المنفى_الداخلي
ومع اقتراب الصيف من ذروته، يسأل بوشعيب البازي، كصحفي فقد الأمل في المراسلات الرسمية:
“هل سيحتفل يومًا بالجزائر بعيد الاستقلال في بلد مستقل فعليًا، لا يُخنق فيه المثقف، ولا يُتهم فيه المواطن بالعداء لأنه فكر بصوت مرتفع؟ أم سنبقى إلى الأبد نردد نشيدًا وطنيًا على أرض لا تسمح حتى بالنشيد الداخلي؟”