الرباط – من مراسل صحيفتكم الذي ما زال ينتظر، بكل نزاهة، إذنا بالحديث عن النزاهة.

بوشعيب البازي

يبدو أن موسم الوعود قد عاد مجدداً إلى الرباط، لكن هذه المرة بنكهة مختلفة: نكهة النزاهة بطعم الخمسية 2025-2030، التي كشفت عنها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بقيادة رئيسها محمد بنعليلو. مناسبة احتفالية فخمة، حضرها مسؤولون ودبلوماسيون وخبراء… وكل ما ينقصها فقط هو شيء واحد: أن نجد الفساد نفسه ضمن الحضور، حتى يكتشف أخيراً أنه أصبح “غير مرغوب فيه”.

فبنعليلو، الذي تحدث بثقة رجلٍ يتعامل يومياً مع الأمل، أكد أن المغرب يعيش “لحظة وطنية عميقة” تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من بناء دولة حديثة تقوم على العدل والشفافية. وبكلمات أخرى: إننا ندخل زمناً جميلاً، شفافاً، مثالياً… فقط على الورق.

الاستراتيجية الخماسية الجديدة، التي تبدو كأنها خرجت للتو من ورشة دولية راقية حول مكافحة الفساد، ترتكز على ستة محاور. محاور لو كانت تُقضم لكانت وجبة كاملة من التفاؤل: قيادة استشرافية، تحصين الفاعلين العموميين، إشاعة ثقافة النزاهة بين الشباب، والتحول الرقمي الذي سيجعل من الفساد مواطناً متقاعداً بفضل التكنولوجيا. باختصار: حرب شاملة، مُعلنة، صريحة… ضد ظاهرة لطالما حاربتنا نحن أكثر مما حاربناها.

لكن ما إن نترك منصة الخطابات المصقولة، حتى نسمع صوتاً خارج السرب، صوت الباحثة في العلوم السياسية شريفة لموير، التي قدمت وصفاً أكثر واقعية ـ وربما أكثر مرارة. فوفقاً لها، كل الحملات السابقة ضد الفساد تحولت إلى شعارات مرحلية، وبدون تفعيل حقيقي لآليات المحاسبة لن يكون هناك إصلاح ولا من يُصلّح.

والأمر لا يتوقف عند التحليل الأكاديمي، فحتى تحت قبة البرلمان عادت الأسئلة الثقيلة. النائبة فاطمة التامني طرحت سؤالاً لا يريد أحد أن يسمعه: أين اختفى مشروع قانون الإثراء غير المشروع؟ كيف يمكنك أن تُحدّث المواطنين عن النزاهة بينما أشهر نص تشريعي لمحاربة الاغتناء المشبوه اختفى من جدول الأعمال كأنه لم يكن يوماً؟ سؤال يكشف الكثير: فالنزاهة ليست فقط خطابات، بل قوانين تجرّ من يجب جرّه، وتحاسب من يجب محاسبته.

التامني لم تترك الأمر للصدفة، بل قالتها بوضوح: “الفساد أصبح منظومة تحمي نفسها”. عبارة مرعبة، لكنها للأسف لا تثير الدهشة في بلد يعرف الجميع فيه أن الصفقات العمومية، وتضارب المصالح، والإفلات من العقاب ليست اختراعات رومانسية… بل جزء من مشهد يومي مألوف.

ورغم ذلك، يظهر بنعليلو متفائلاً. فبالنسبة له، مواجهة الفساد في 2025-2030 لن تكون مجرد رفع شعارات، بل بناء أنظمة قادرة على فهم الظاهرة وقياسها والتنبؤ بها. نعم، لقد أصبح الفساد علماً قائماً بذاته — لدرجة أننا قد نصل قريباً إلى مرحلة التوقعات: “تسجيل هبوب رياح فساد قوية في بعض القطاعات، مع احتمال تساقطات رشيّة في الصفقات العمومية”.

لكن، بين سحر الخطب ورصانة الدراسات وحرارة الجدل البرلماني، يبقى سؤال واحد مُعلّقاً: هل نريد حقاً محاربة الفساد، أم نكتفي بمحاربته في المؤتمرات؟

فالرهان اليوم لم يعد تقنياً ولا قانونياً، بل وجودياً: دولة لا تحارب الفساد، سينتهي الفساد فيها بمحاربة الدولة نفسها.

أما المواطن، فكل ما يريده بسيط للغاية: أن يصدق أخيراً أن النزاهة ليست استراتيجية خماسية… بل عادة يومية. وربما، يوماً ما، تصبح كذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com