الرحلة وصلت منتهاها: ضربة ترامب الخاطفة تُسقط مادورو وتعيد شبح “تغيير الأنظمة” إلى الواجهة

حنان الفاتحي

لم تكن الساعات الأولى من فجر السبت عادية في كاراكاس. سبع انفجارات على الأقل، تحليق منخفض لطائرات حربية، وسكان يخرجون إلى الشوارع بملابس النوم. وفي واشنطن، كان دونالد ترامب يكتب على منصته “تروث سوشال” إعلاناً مقتضباً، لكنه ثقيل الوطأة: نيكولاس مادورو في قبضة الولايات المتحدة.

بهذا الإعلان، طُويت صفحة أحد أكثر الخصومات السياسية حدّة في القارة الأميركية، وبلغت المواجهة المفتوحة بين واشنطن وكاراكاس ذروتها، في عملية عسكرية خاطفة أعادت إلى الأذهان أكثر فصول السياسة الخارجية الأميركية إثارة للجدل: سياسة إسقاط الأنظمة بالقوة.

عملية نظيفة… ورسائل قاسية

وفق المعطيات المتقاطعة، نفذت قوات “دلتا” الأميركية عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته، عقب “ضربة واسعة النطاق” استهدفت مواقع حساسة في العاصمة ومحيطها. ترامب، الذي لم يُخف يوماً عداءه لمادورو، وصف العملية بأنها “بارعة” و”نتاج تخطيط جيد”، في لغة تعكس أكثر من مجرد نجاح عسكري؛ إنها لغة نصر سياسي شخصي.

الأهم من العملية ذاتها، هو توقيتها وسرعة حسمها. فالولايات المتحدة، التي اكتفت لسنوات بالعقوبات والضغوط الدبلوماسية، انتقلت فجأة إلى فعل مباشر وحاسم، دون تمهيد دولي أو غطاء أممي معلن. وهو ما يطرح سؤالاً مركزياً: هل عادت واشنطن إلى منطق “الشرطي العالمي” بلا وسائط؟

مادورو… من رئيس إلى متهم

تصريح السناتور الجمهوري مايك لي، نقلاً عن وزير الخارجية ماركو روبيو، كشف جوهر التحول: مادورو لن يُعامل كأسير سياسي أو ورقة تفاوض، بل كمتهم جنائي سيُحاكم داخل الولايات المتحدة. بهذا المعنى، لا تكتفي واشنطن بإسقاط خصمها، بل تسعى إلى نزع شرعيته بالكامل، داخلياً ودولياً.

الأخطر في هذا المسار هو إعلان روبيو، بحسب لي، أن الولايات المتحدة “لا تتوقع أي إجراءات أخرى في فنزويلا”. وهي جملة ملغومة توحي بأن واشنطن ترى أن رأس النظام كان هو العقدة الأساسية، وأن ما بعد مادورو شأن داخلي فنزويلي، مهما كانت تداعيات الفراغ السياسي والأمني.

كاراكاس بين الصدمة والسيادة الجريحة

في المقابل، جاء الرد الفنزويلي من المؤسسة العسكرية، لا من الرئاسة. وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز تحدث بلهجة تعبئة وطنية، واصفاً الضربات الأميركية بـ”تدنيس الأرض المقدسة” و”الهجوم الجبان والدنيء”. غير أن هذا الخطاب، مهما بلغت حدته، يعكس واقعاً صعباً: الدولة ضُربت في قلب عاصمتها، ورئيسها اختُطف من السلطة.

الدعوة إلى تجنب الذعر والفوضى، التي أطلقها لوبيز، تكشف بدورها عن هاجس المرحلة المقبلة: هل تستطيع مؤسسات النظام الصمود دون مادورو؟ أم أن فنزويلا تتجه نحو فراغ قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً؟

ترامب يعيد كتابة قواعد الاشتباك

بعيداً عن فنزويلا، تحمل العملية دلالات أوسع. فهي أول تدخل عسكري أميركي مباشر بهذا الحجم في أميركا اللاتينية منذ عقود، وتؤشر إلى تحول في عقيدة ترامب الخارجية: أقل دبلوماسية، أكثر صدمة، وأوضح في ربط الأمن بالقوة العارية.

الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب في أغسطس الماضي، بذريعة “مكافحة عصابات المخدرات”، يبدو اليوم كأنه كان الغطاء القانوني والسياسي لهذه اللحظة. فالرسالة التي تُوجَّه إلى المنطقة واضحة: واشنطن لن تتسامح مع أنظمة تعتبرها “خارجة عن القانون”، ولن تتردد في استخدام القوة إذا رأت أن مصالحها مهددة.

ما بعد السقوط

اعتقال مادورو ليس نهاية القصة، بل بدايتها. فنزويلا تقف على مفترق طرق: إما انتقال مرتبك نحو مرحلة جديدة، أو انزلاق نحو فوضى سياسية وأمنية. أما الولايات المتحدة، فقد فتحت باباً يصعب إغلاقه، وأعادت طرح سؤال قديم بثوب جديد:

هل يصنع إسقاط الرؤساء الاستقرار… أم يولد أزمات أكبر؟

في كل الأحوال، ما جرى فجر السبت لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل زلزالاً سياسياً ستتردد ارتداداته في كاراكاس، وواشنطن، وكل عواصم أميركا اللاتينية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com