الجزائر على حافة كسر التوازن: صراع القصر والثكنة في أيامه الحاسمة

بوشعيب البازي

Screenshot

يسير الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ووزيره المنتدب للدفاع ورئيس أركان الجيش، الفريق أول سعيد شنقريحة، فوق حبل سياسي مشدود، بدأ يتآكل تحت أقدامهما. فالتوازن الهش الذي حكم العلاقة بين مؤسسة الرئاسة وقيادة الجيش منذ 2019، والقائم على تبادل «اللاشرعية» والضرورة المتبادلة، دخل مرحلة اهتزاز غير مسبوقة، تطرح سؤالًا بات مطروحًا في الكواليس أكثر من أي وقت مضى: من سيسقط أولًا؟

ما كان يُدار سابقًا في الغرف المغلقة، خرج اليوم إلى العلن. فقد وصلت العلاقة بين جناح الجنرالات وجناح الرئاسة إلى طريق مسدود، وكانت محاولة تبون الأخيرة لتعديل الدستور بمثابة الشرارة التي فجّرت توترات كامنة. فالرئيس سعى، تحت غطاء «تعديل تقني»، إلى فتح الباب أمام ولاية ثالثة أو تمديد ولايته الحالية إلى سبع سنوات دون المرور عبر انتخابات، مع تمديد ولاية البرلمان إلى ست سنوات، بما يضمن بقاءه في الحكم حتى 2031 بواجهة مؤسساتية موالية بالكامل.

ولم يتوقف المشروع عند هذا الحد، بل شمل أيضًا نقل الإشراف على الانتخابات من السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إلى وزارة الداخلية، في خطوة كانت ستفرغ ما تبقى من هذا الهيكل من أي مضمون فعلي، وتعيد العملية الانتخابية إلى حضن الإدارة التقليدية.

فيتو الجنرالات… وكسر الخط الأحمر

وفقًا للمدون الجزائري سعيد بن سديرة، المعروف بقربه من دوائر نافذة داخل المؤسسة العسكرية، فإن الفريق أول شنقريحة عرض هذا المشروع على كبار الضباط، غير أن الرد جاء حاسمًا: رفض بالأغلبية المطلقة، مع تشديد واضح على عدم المساس بالقانون الأساسي للبلاد. بل أكثر من ذلك، لا يُستبعد أن يكون هذا الاجتماع قد شهد فتح نقاش داخلي حول مرحلة ما بعد تبون، والبحث عن بديل «ذي مصداقية» قادر على ضمان استمرارية النظام دون مغامرات سياسية.

في هذا السياق، يعود شبح السوابق التاريخية بقوة: الشاذلي بن جديد عام 1992، اليمين زروال عام 1999، وعبد العزيز بوتفليقة عام 2019. جميعهم رؤساء لفظهم الجيش عندما انتهت صلاحيتهم السياسية.

هل يجرؤ تبون على كسر المعادلة؟

نظريًا، يمتلك تبون صلاحية إقالة رئيس الأركان. لكن عمليًا، تبدو هذه الفرضية أقرب إلى الانتحار السياسي. فإقالة شنقريحة لن تغيّر موازين القوى، إذ سيخلفه تلقائيًا قائد القوات البرية، الفريق مصطفى سماعلي، ثاني أعلى ضابط رتبة، وأحد أكثر الموالين لشنقريحة. بذلك، يصبح تكرار سيناريو بوتفليقة مع قايد صالح أمرًا شبه مستحيل.

ثم إن شنقريحة، خلال ست سنوات على رأس الأركان، أعاد هندسة المؤسسة العسكرية بالكامل: أقصى خصومه، زجّ بمنافسين محتملين في السجون، وأحكم قبضته على مفاصل القرار الأمني والعسكري. أي محاولة للمساس به تبدو محكومة بالفشل سلفًا.

إشارات الطلاق… حين تتكلم البروتوكولات

بوادر القطيعة لم تعد خفية. فبعد اجتماع 27 دجنبر مع كبار الضباط لمناقشة التعديل الدستوري، غاب شنقريحة عن مجلس الوزراء المنعقد في 28 دجنبر، ما اضطر الرئاسة إلى الإعلان عن «تأجيل» التعديل. تأجيلٌ فُهم على نطاق واسع كإلغاء قسري فرضه الجيش.

الإشارة الثانية جاءت أكثر فجاجة: غياب شنقريحة للمرة الثانية عن خطاب الحصيلة السنوية لتبون أمام البرلمان في نادي الصنوبر. الأخطر، بحسب بن سديرة، أن رئيس الأركان لم يتلقَ أصلًا دعوة رسمية، في خرق غير مسبوق للأعراف البروتوكولية.

وفي المقابل، ألقى تبون خطابًا خاليًا من أي إشادة بالمؤسسة العسكرية، على غير عادته، كما تجاهل الجيش تمامًا في تهاني رأس السنة، في مؤشر على أن القطيعة باتت سياسية ورمزية في آن واحد.

رئيس بلا هوامش… ونظام بلا بوصلة

رغم هذا «الطلاق»، لا يزال تبون مضطرًا للانصياع لإملاءات الجنرالات. فقد أُجبر على التراجع عن قرارات اجتماعية فجّرت غضب الشارع، وأعادت إلى الأذهان سيناريو «حراك» جديد: سُحب قانون المرور بعد إضرابات الناقلين، ولوّحت الحكومة بالتراجع عن زيادات أسعار الوقود، كما تراجع الرئيس عن قراره بمنع البنوك من قبول السيولة من التجار.

الأكثر دلالة، إقالة محافظ بنك الجزائر، الذي لم يفعل سوى تنفيذ تعليمات رئاسية تهدف إلى إخراج البلاد من «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي. هذا التخبط يعكس سلطة تنفيذية بلا أفق، ونظامًا يسير بردود الفعل لا بالاستراتيجيات.

العد التنازلي بدأ

المؤشرات مجتمعة توحي بأن أيام عبد المجيد تبون في قصر المرادية باتت معدودة. فحين يفقد الرئيس غطاء الجيش، ويواجه في الوقت نفسه غضبًا اجتماعيًا متصاعدًا، يصبح بقاؤه عبئًا على النظام نفسه. وفي الجزائر، حين تتقاطع إرادة الثكنة مع ضغط الشارع، تكون النتيجة دائمًا واحدة: خروج من الباب الضيق، مهما طال التردد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com