صفقة التسليح الأميركية للمغرب: تعزيز للدفاع الجوي ورسالة ثقة إستراتيجية في محيط إقليمي مضطرب
مجدي فاطمة الزهراء
في خطوة تعكس عمق الشراكة الأمنية والعسكرية بين الرباط وواشنطن، قامت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأميركية بإخطار الكونغرس بصفقة بيع أسلحة موجهة إلى المغرب بقيمة تناهز 825 مليون دولار، تشمل تزويد القوات المسلحة الملكية بمنظومات دفاع جوي متطورة، وذلك وفق المساطر القانونية المنصوص عليها في التشريع الأميركي المنظم لمبيعات السلاح الخارجية.
وتندرج هذه الصفقة في إطار تعزيز قدرة المغرب على مواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية المتزايدة، لا سيما ما يتعلق بحماية حدوده البرية والبحرية، وتأمين مجاله الجوي في بيئة إقليمية تتسم بتصاعد التوترات وتنامي المخاطر غير التقليدية.
المغرب… حليف إستراتيجي خارج الناتو
وأكدت وزارة الدفاع الأميركية، في إشعارها الرسمي، أن المغرب يُعد “حليفًا رئيسيًا من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)”، ويلعب دورًا محوريًا في دعم الاستقرار السياسي والأمني في شمال أفريقيا. واعتبرت أن هذه الصفقة ستُسهم في تعزيز قدرات الجيش المغربي على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية، خصوصًا في مجال الدفاع الجوي قصير المدى، وتحديث منظوماته العسكرية بما يتماشى مع المعايير الغربية المعتمدة داخل الجيوش الحليفة للولايات المتحدة.
وبحسب المعطيات المعلنة، سيتم تخصيص 552 مليون دولار لاقتناء معدات دفاعية رئيسية، مقابل 273 مليون دولار لخدمات ومكونات داعمة، تشمل الدعم التقني واللوجستي والهندسي. كما لم تُسجَّل أي اعتراضات معلنة داخل الكونغرس الأميركي، ما يفتح الطريق أمام استكمال المسار الإجرائي للصفقة.
صواريخ “ستينغر” و”أمرام”: تفوق نوعي في الدفاع الجوي
وتتضمن الصفقة اقتناء ما يصل إلى 600 صاروخ من طراز “ستينغر بلوك 1”، وهي صواريخ دفاع جوي قصيرة المدى مخصصة للتصدي للتهديدات الجوية منخفضة الارتفاع، بما في ذلك الطائرات بدون طيار والمروحيات.
كما تشمل الصفقة بيع 30 صاروخًا متطورًا من طراز AIM-120C-8 AMRAAM، بقيمة إجمالية تناهز 88.3 مليون دولار. ويُعد هذا الصاروخ من أبرز أسلحة القتال الجوي الحديثة، إذ يمنح تفوقًا نوعيًا في الاشتباكات بعيدة المدى، ويمكن الطائرات المقاتلة من إسقاط الأهداف قبل دخولها نطاق الرؤية المباشرة، بفضل اعتماده على التوجيه الراداري النشط وقدرات عالية على المناورة والاعتراض.
طمأنة إقليمية ورسائل سياسية
وأكدت وزارة الدفاع الأميركية أن الصفقة تهدف أيضًا إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة الملكية والقوات الأميركية وقوات الدول الحليفة، في سياق التدريبات المشتركة والمناورات متعددة الجنسيات. كما شددت على أن هذه الصفقة “لن تُحدث أي اختلال في التوازن العسكري الأساسي بالمنطقة”، وهي صيغة معتادة في الإخطارات الأميركية، تهدف إلى طمأنة الكونغرس بشأن التداعيات الجيوسياسية لمبيعات السلاح.
تحديث شامل للمنظومة الدفاعية
وتأتي هذه الصفقة في سياق مسار متواصل لتحديث الترسانة العسكرية المغربية، أطلقته الرباط منذ قرابة عقد من الزمن، ويرتكز على تنويع مصادر التسليح ورفع الجاهزية العملياتية لمختلف فروع القوات المسلحة الملكية.
وكان المغرب قد تسلم، نهاية مارس الماضي، أنظمة الدفاع الجوي الأميركية “باتريوت”، التي يجري تركيبها واختبارها بالقاعدة العسكرية في سيدي يحيى، قبل توزيعها لاحقًا على مناطق محددة شمال وجنوب المملكة، في إطار بناء شبكة دفاع جوي متكاملة، إلى جانب أنظمة أخرى سبق اقتناؤها مثل “سكاي دراغون” و”باراك” و”سبايدر”.
قراءة تحليلية: صفقة تتجاوز البعد العسكري
وفي هذا السياق، اعتبر الباحث في الشؤون الإستراتيجية هشام معتضد أن “اقتناء المغرب لهذه الصواريخ لا يُعد مجرد صفقة عسكرية، بل يعكس مستوى استثنائيًا من الثقة السياسية والأمنية بين واشنطن والرباط”، مشيرًا إلى أن موقع المغرب كحليف رئيسي من خارج الناتو وشريك متقدم للولايات المتحدة في المنطقة يشكل أحد المحددات الأساسية لهذه الشراكة.
وأضاف أن البعد الصناعي والتكنولوجي بات عنصرًا متزايد الأهمية، في ظل سعي المغرب إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية والانخراط في سلاسل إنتاج وصيانة الطائرات، مؤكدًا أن صفقات السلاح مع واشنطن “ليست عمليات تجارية فقط، بل أوراقًا في لعبة النفوذ الدولي”.
جيش احترافي برؤية إستراتيجية
وفي السياق ذاته، صنّف تقرير حديث لمنصة “ذا أفريكان إكسبوننت” القوات المسلحة الملكية ضمن أكثر الجيوش احترافية في القارة الأفريقية، مشيرًا إلى تركيز المغرب على الجودة والتدريب والتحديث بدل الكم العددي، من خلال استثمارات كبيرة في التكوين، والحوكمة العسكرية، والتخطيط الإستراتيجي، لضمان الجاهزية العملياتية.
تعاون عسكري مؤطر ومناورات مرتقبة
ويُنظَّم التعاون العسكري المغربي–الأميركي بموجب اتفاقيات ومذكرات تفاهم تقنية ثنائية تحدد مجالات التنفيذ والتعاون. ويتزامن اقتناء هذه المعدات الإستراتيجية مع التحضير للدورة الثانية والعشرين من مناورات “الأسد الأفريقي”، المقرر تنظيمها في مايو المقبل بعدة مدن مغربية، من بينها أغادير وطانطان وتزنيت والقنيطرة وبنجرير وتيفنيت، في إطار شراكة عسكرية تُعد من الأبرز على مستوى القارة.
في المحصلة، لا تعكس صفقة التسليح الأميركية للمغرب مجرد تحديث تقني للقدرات الدفاعية، بل تُجسّد خيارًا إستراتيجيًا طويل الأمد، يضع المملكة في موقع الشريك الأمني الموثوق، والقوة الإقليمية الصاعدة القادرة على حماية استقرارها والمساهمة في أمن محيطها الإقليمي.