دخل النظام الجزائري مرحلة جديدة في تعاطيه مع ملف المعارضة في الخارج والمهاجرين غير النظاميين، عقب إعلان رئاسة الجمهورية عن بدء تنفيذ ما وُصف بـ«تدابير تسوية سياسية»، تستهدف ناشطين جزائريين مقيمين خارج البلاد، إلى جانب فئة «الحراقة». خطوة أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول دوافعها الحقيقية، وحدودها، ومصداقيتها، في ظل مناخ داخلي يتسم بتشديد أمني وارتفاع منسوب المتابعات القضائية.
ففي ختام اجتماع مجلس الوزراء المنعقد يوم الأحد 11 يناير 2026، أعلن الرئيس عبد المجيد تبون عن مبادرة تسمح بعودة معارضين وناشطين في الخارج «تورطوا أو جرى توظيفهم في الدعاية والإساءة إلى مؤسسات الدولة»، إضافة إلى مهاجرين غير نظاميين، شريطة الالتزام بما وصفه البيان الرئاسي بـ«التعهد السياسي بعدم العودة إلى الأنشطة المعادية للدولة».
خطاب إنساني… بشروط سياسية
وقد قدّم بيان الرئاسة هذه المبادرة في قالب تصالحي، موجها نداء إلى الشباب الجزائري الموجود في الخارج في «وضعيات هشة وغير قانونية»، معتبرا أن كثيرين منهم «دُفعوا إلى الخطأ عمدًا» عبر التضليل والاستغلال، وأن أغلبهم لم يقترف سوى «جنح صغيرة»، كالتخوف من مجرد استدعاء أمني أو مسائل مرتبطة بالنظام العام.
غير أن القراءة المتأنية لمضمون المبادرة تكشف أنها تقوم على تصنيف سياسي واضح للمعارضين، حيث تفتح باب العودة لفئات محددة مقابل التزام سياسي صريح بالصمت أو المهادنة، مع استثناء المتورطين في قضايا الدم والمخدرات والسلاح أو التعامل مع جهات أجنبية. وهو ما يجعل «التسوية» أقرب إلى آلية ضبط سياسي منها إلى مصالحة وطنية شاملة.
رهان «التوبة السياسية»
ويرى متابعون أن النظام يسعى، من خلال هذه الخطوة، إلى فرض ما يمكن تسميته بـ«التوبة السياسية»، حيث يُسمح للمعارض بالعودة إلى الوطن مقابل التخلي عن حقه في التعبير أو النقد.
وفي هذا السياق، اعتبر رشيد عوين، مدير منظمة «شعاع» لحقوق الإنسان، أن المبادرة ليست سوى «ترسيم لسياسة قائمة»، هدفها تحويل المعارض إلى مواطن «منزوع الصوت»، محذرًا من أن رفض العرض قد يفتح الباب أمام إجراءات انتقامية أشد، من بينها التهديد بالتجريد من الجنسية أو التضييق على العائلات.
الشارع الجزائري: مصالحة أم فخ؟
وعلى عكس ما أرادته السلطة من خطاب مطمئن، جاءت ردود الفعل الشعبية، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، مشوبة بالتوجس والسخرية. فقد تحولت صفحة رئاسة الجمهورية على فيسبوك إلى فضاء لانتقادات حادة، حيث وصف كثيرون المبادرة بأنها «فخ» يستهدف استدراج المعارضين و«الحراقة» تمهيدًا لاعتقالهم.
وكتبت جزائرية تُلقب نفسها بـ«وردة أمل» أن جوهر الأزمة ليس قانونيًا، بل اقتصادي واجتماعي، معتبرة أن البطالة وغياب الكرامة والآفاق هي التي تدفع الشباب للهجرة، وأن إصلاح أوضاع البلاد كفيل بإعادة المغتربين دون الحاجة إلى «نداءات سياسية».
بدوره، تساءل زين العابدين خوجة عن «التناقض الصارخ» في سياسة النظام، الذي يفاوض معارضي الخارج بينما يواصل الزج بشباب الداخل في السجون، وهو ما عززه نور الدين رابح بالقول إن «الثقة لا تُبنى بالبيانات بل بالصدق ومعالجة جذور الأزمة».
واقع الداخل يُفند الخطاب
هذه المخاوف الشعبية تجد ما يبررها في الواقع الميداني، حيث يقبع أكثر من 230 معتقل رأي في السجون الجزائرية بسبب التعبير السلمي عن آرائهم، وفق منظمات حقوقية. وهو ما يخلق شرخًا واضحًا بين خطاب «العودة الآمنة» وواقع «الداخل المأزوم»، ويجعل المبادرة تبدو، في نظر كثيرين، محاولة لتلميع الصورة الخارجية للنظام أكثر منها مسارًا حقيقيًا للمصالحة.
حقوق الإنسان: أرقام تناقض الوعود
وفي تقريرها السنوي، رسمت منظمة «شعاع» لحقوق الإنسان صورة قاتمة للوضع الحقوقي في الجزائر خلال سنة 2025، موثقة تصاعدًا مقلقًا في الاعتقالات والمتابعات القضائية.
وبحسب المنظمة، التي تتخذ من لندن مقرًا لها، تم اعتقال ما لا يقل عن 400 شخص، من بينهم نحو 80 ناشطًا أودعوا السجن استنادًا إلى المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، المتعلقة بالإرهاب، في ظروف تثير مخاوف جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة.
وأكدت المنظمة أن تهمًا فضفاضة مثل «نشر أخبار زائفة» و«إضعاف الروح المعنوية» تحولت إلى أدوات جاهزة لإسكات الأصوات المعارضة، ما يعمّق الفجوة بين الخطاب الرسمي حول «التسوية» وواقع تشديد القبضة الأمنية.
اختبار المصداقية
في ظل هذا السياق، تبدو مبادرة الرئيس تبون أمام اختبار حقيقي للمصداقية. فالمصالحة مع «الشتات» الجزائري لا يمكن أن تُبنى على التعهدات المشروطة أو الخطابات الإنشائية، بل على إجراءات ملموسة لبناء الثقة، تبدأ بإطلاق سراح معتقلي الرأي، وفتح فضاء الحريات العامة، ومعالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب إلى ركوب «قوارب الموت» هربًا من واقع يفتقر للعدالة والكرامة وفرص الحياة.
وإلى أن تتحقق هذه الشروط، ستظل «التسوية السياسية» المقترحة عالقة بين خطاب التهدئة وواقع القمع، وبين وعود العودة وهاجس السجون.