حين يسافر الجسد إلى أوروبا… ويبقى الوعي عالقًا في الخطاب

بوشعيب البازي

حين حجّ آلاف الجزائريين إلى المغرب لمتابعة كأس إفريقيا للأمم، استقبلهم المغاربة بما اعتادوا عليه: دفء، ترحيب، وبساطة لا تحتاج إلى بلاغة. كان هناك افتراض حسن النيّة: أن الجالية الجزائرية القادمة من فرنسا، هولندا، بريطانيا أو إسبانيا قد تشبّعت — بحكم الإقامة الطويلة — بثقافة العيش المشترك، واحترام الفضاء العام، وفهم أن الحدود السياسية لا تلغي الأخوّة الإنسانية. ذلك الافتراض كان، في حالات كثيرة، مفرطًا في التفاؤل.

الهجرة لا تُعلّم بالضرورة

الهجرة، كما تبيّن، لا تُعيد بالضرورة تشكيل الوعي. يمكن للمرء أن يعيش سنوات في أوروبا، ويظل أسير خطابٍ لم يغادره يومًا. خطاب يقوم على الضجيج بدل النقاش، وعلى الاستعراض بدل الفعل، وعلى شعور دائم بالاستحقاق دون مقابل. المثير أن جزءًا من هذا الجمهور القادم من عواصم أوروبية كبرى، بدا عاجزًا عن التكيّف مع أبسط قواعد الاستهلاك في بلد سياحي. فالمغرب، بخياراته الفندقية المتنوعة، ومطاعمه التي تعكس اختلافًا ثقافيًا، يفترض حدًا أدنى من الاستعداد المادي… لا الشعارات. وحين لا يتطابق الخيال مع الواقع، يبدأ الاحتكاك.

الشارع كبديل للفندق

لم تكن المشكلة في قلة الإمكانيات بحد ذاتها، بل في إنكارها. جماهير حضرت دون تذاكر، دون حجوزات، ودون خطة واضحة، ثم وجدت نفسها تحوّل الساحات العامة والحدائق إلى فضاءات نوم مؤقتة، لا لضرورة قاهرة، بل نتيجة سوء تقدير جماعي. أمام الملاعب، في محيط المدن، وفي شوارع لم تُخلق لهذا النوع من الفوضى، وُلد مشهد مربك: ضجيج بلا مناسبة، أعلام بلا مباراة، وحضور كثيف بلا تنظيم. مشهد جعل حتى جماهير إفريقية أخرى — اعتادت التنقل الجماعي — تفضّل الابتعاد بدل الاحتكاك.

Screenshot

الفضيحة التي لا تحتاج خصومًا

الغريب أن الشعب الوحيد الذي وُضع تحت مجهر النقد في المغرب لم يكن بسبب النتائج الرياضية، بل بسبب السلوكيات. تصرفات فردية تحوّلت، بفعل التكرار، إلى صورة عامة: عدم احترام الفضاء العام، افتعال مشاكل جانبية، تحويل تفاصيل هامشية إلى معارك، والبحث الدائم عن “مشاهد” تُغذّي خطاب المظلومية أو السخرية المتبادلة على وسائل التواصل. في لحظة ما، بدا وكأن بعضهم جاء لا لمتابعة كرة القدم، بل لإثبات فكرة مسبقة: أن العالم كله ضدهم، حتى حين يُفتح لهم الباب.

Screenshot

من أزمة الحليب إلى أزمة الوعي

المفارقة المؤلمة أن نقاشات حادة اندلعت حول منتجات استهلاكية عادية، حُمّلت أكثر مما تحتمل، وكأنها اكتشافات حضارية. هنا، لم تكن المسألة مادة غذائية، بل صدمة ندرة تراكمت لسنوات، وانفجرت خارج سياقها الطبيعي. ليست المشكلة في الفقر، ولا في الغلاء، ولا في الاختلاف الثقافي. المشكلة في غياب التربية المدنية، وفي خطاب يُربّي على العداء بدل المسؤولية، وعلى الصراخ بدل التكيّف.

ما حدث خلال “الكان” لم يكن فشل جمهور، بل فشل سردية. سردية أقنعت جزءًا من الناس أن العظمة تُعلَن ولا تُمارَس، وأن الكرامة تُستعار من الماضي بدل أن تُبنى في الحاضر. التخلّف، كما يُقال، له دائمًا أسباب معروفة. لكن الأخطر منه هو العجز عن الاعتراف به، لأن ما لا يُسمّى… لا يُعالَج. وما لا يُراجَع في الداخل، سينكشف دائمًا في الخارج — أمام أول مرآة صادقة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com