حين تتحول الفصاحة إلى وقود للفتنة
ليست كل رسالة مفتوحة دعوة للحوار، فبعض الرسائل تُكتب لأن الصمت يصبح تواطؤاً، ولأن المجاملة في حضرة العبث خيانة مضاعفة. هذه رسالة عتاب، نعم، لكنها عتاب لا يخلو من السخرية، لأن المشهد ذاته بات عبثياً إلى حد لا يُناقش إلا بالمفارقة.
إلى حفيظ الدراجي وخديجة بنقنة،
إلى من قرّرا أن تكون الكلمة – التي خُلقت لتنوير العقول – عود ثقاب في مخزن هشّ اسمه الذاكرة المغاربية، وأن يتحولا من إعلاميين إلى حراس دائمين لحرائق الجدل العقيم.
التاريخ، وللأسف، لا يتذكر الصراخ طويلاً، بل يتذكر من أشعل النار ثم اختفى خلف الدخان. أنتما لا تفتقران إلى الفصاحة، بل تعانيان – على ما يبدو – من فائضها، حين تنفصل عن الحكمة، وتتحول من أداة بيان إلى أداة استقطاب رخيص. فليست كل جملة موزونة موقفاً، ولا كل نبرة عالية دليلاً على امتلاك الحقيقة.
لقد استبدلتما برد اليقين بحرائق الشك، وبذلتما جهداً لافتاً في تحويل ميزان المعرفة إلى أرجوحة أيديولوجية، تميل حيث تميل العاطفة، لا حيث يستقر العقل. والمفارقة أنكما تتحدثان باسم الوعي، بينما تمارسان – عن قصد أو عن عمى – أكثر أشكال التجهيل خطورة: تجهيل يقوم على الانتقاء، وعلى تضخيم العيوب كما لو كانت جوهراً، وتجاهل السياقات كما لو كانت تفصيلاً مزعجاً.
انشغالكما المستميت بالتنقيب عن نقائص المغرب يشبه، في بلاغته، من يفتش عن الشوك في حديقة ورد ثم يعلن – منتشياً – أنه لم يجد عطراً. فهل خلت أرض من نقص؟ وهل وُجد وطن كامل خارج المخيال الدعائي؟ أم أن الكمال يُطلب فقط من الآخرين، بينما يُمنح العذر الأبدي للذات؟
الأدهى من النقد، وهو حق مشروع، أن يتحول هذا النقد إلى تعصب أعمى، ينصر بلا معيار، ويخاصم بلا مبدأ، ويصنع من الانفعال بديلاً عن التحليل. هنا بالضبط، ينتقل الإعلامي من موقع المراقب إلى دور المحرّض، ومن مسؤولية الكلمة إلى خفة التحريض.
في هذا المقام، يحضر إلى الذاكرة الزير سالم المهلهل، لا بوصفه بطلاً ملحمياً، بل كنموذج تاريخي لمن أشعل حرباً طويلة لأن الغضب كان أسبق من العقل، ولأن الثأر بدا أسهل من التفكير. حرب أكلت الأخضر واليابس، وأفنت أجيالاً، ولم تُطفئها بطولة ولا خطاب، بل أنهكها الزمن حين عجزت القوة عن تبرير الخراب.
فهل هذا هو الإرث الذي تطمحان إليه؟ إرث ناري، دخاني، يلتهم وشائج القربى المغاربية، ويخفي خلف سُحبه الكثيفة عجزاً عن مواجهة الحقيقة البسيطة: أن الطريق الوعر الذي تسلكه بلادكما لا يحتاج إلى تعداد عيوب الجيران، بل إلى شجاعة النظر في المرآة، حتى لو كانت الصورة قاسية.
إن الكلمة، حين تفقد أخلاقها، لا تصبح رأياً، بل عبئاً. والإعلامي، حين يتخلى عن مسؤوليته، لا يعود صوتاً، بل ضجيجاً. ولسان المرء – شئنا أم أبينا – هو إما جسر نحو الخلود، أو شهادة مكتوبة على الهوان.