يبدو أن بعض المباريات لا تنتهي عند صافرة الحكم، بل تبدأ بعدها معركة أخرى، لا تُلعب بالقدمين بل بالتصريحات. هكذا خرج حسام حسن من نصف نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، لا ليحلل أسباب الخسارة، بل ليعلن – بثقة المنتصر أخلاقياً – أن منتخب مصر خسر لأنه كبير أكثر من اللازم، وأن الآخرين – كعادتهم الأزلية – غاروا من التاريخ المجيد.
في لحظة كان ينتظر فيها الشارع الكروي المصري قراءة هادئة لأداء باهت، واعترافاً صريحاً بتفوّق الخصم، اختار مدرب “الفراعنة” أن يرفع راية “الغيرة”، وكأن كرة القدم الإفريقية تحوّلت فجأة إلى ندوة نفسية جماعية، يفسَّر فيها الإقصاء بعيون الآخرين لا بأخطاء الذات.
تاريخ يُستعمل بدل الخطة
لا أحد يجادل في تاريخ المنتخب المصري، ولا في بطولاته السبع، لكن الإشكال يبدأ حين يتحول التاريخ من مصدر إلهام إلى ذريعة جاهزة. فالتاريخ، مهما كان عظيماً، لا يسدد الكرات ولا يمنع هدفاً في الدقيقة الأخيرة، ولا يبرر أن يخرج منتخب كامل بتسديدة واحدة طيلة مئة دقيقة.
في كرة القدم الحديثة، لا تُحتسب الألقاب في غرف الملابس، ولا تُمنح بطاقة النهائي بناءً على الأمجاد القديمة. ومع ذلك، بدا وكأن حسام حسن يخوض مباراة ضد الزمن، لا ضد السنغال، مستحضراً أمجاد الماضي لمواجهة واقع لم يكن في صالحه.
المغرب… المتهم الجاهز دائماً
الأكثر إثارة في المشهد أن التصريحات، بدل أن تبقى في إطار فني ضيق، انزلقت إلى مساحة حساسة تمس الروح الرياضية والعلاقات بين الشعوب. فالإيحاء بأن هناك من “لا يريد لمصر الوصول إلى النهائي”، في بطولة نظمها المغرب بشهادة الجميع، لم يكن سوى رسالة سيئة التوقيت والمضمون.
المفارقة أن الجماهير المغربية، التي اتُّهمت ضمنياً بالانحياز، كانت من أكثر الجماهير احتراماً وتشجيعاً للمنتخب المصري، وهو ما دفع أصواتاً مصرية وازنة – من داخل الإعلام والشارع – إلى التدخل بسرعة لإطفاء الحريق.
عندما يعتذر الإعلام… ويصمت المدرب
هنا، لعبت الإعلامية مي حلمي دور “العاقل في غرفة ممتلئة بالضجيج”، وقدّمت اعتذاراً واضحاً وصريحاً للمغاربة، مؤكدة أن تصريحات المدرب لا تمثل إلا صاحبها. اعتذارٌ لم يُضعف مصر، بل أعاد إليها شيئاً من اتزانها الرمزي.
وفي السياق ذاته، جاءت إشادة الفنانة المغربية شيماء عبد العزيز بوعي الشعب المصري لتؤكد حقيقة بسيطة: الشعوب غالباً أذكى من بعض من يتحدث باسمها بعد الخسارة.
الاتحاد المصري… تصحيح المسار بصمت
بعيداً عن الميكروفونات، اختار الاتحاد المصري لكرة القدم طريقاً أكثر نضجاً. رسالة التهنئة الموجهة إلى فوزي لقجع لم تكن بروتوكولاً بارداً، بل اعترافاً ضمنياً بأن التنظيم المغربي كان نموذجياً، وأن البطولة رفعت سقف الاحتراف في إفريقيا.
الرسالة حملت ما عجزت عنه تصريحات المدرب: احترام المنافس، تقدير الجهد، والاعتراف بأن كرة القدم لا تُدار بالصوت العالي، بل بالعقل البارد.
الخسارة ليست عيباً… تبريرها كذلك
ليس العيب أن يخرج منتخب كبير من نصف النهائي، فالكرة لا تعترف بالأنساب. العيب الحقيقي أن يتحول الإقصاء إلى خطاب مظلومية، وأن تُستبدل المراجعة الفنية باتهام الآخرين بالغيرة.
في النهاية، خرجت مصر من البطولة، لكنها كسبت شيئاً أهم: أصواتاً عاقلة داخلها قالت بوضوح إن الكبرياء الحقيقي لا يُقاس بعدد الكؤوس، بل بطريقة تقبّل الخسارة. أما حسام حسن، فبدا وكأنه خسر مباراة أخرى، هذه المرة أمام المنطق.
وفي كرة القدم، كما في الحياة، من لا يعترف بأخطائه… سيظل يبحث عن خصوم وهميين ليبرر سقوطاً واضحاً.