مباراة بلا أهداف… وخطاب مصري يسجل في مرمى المنطق

بوشعيب البازي

في المركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء، لم تُحسم مباراة الترتيب بين مصر ونيجيريا بهدف، بل حُسمت بما هو أعمق: بفارق في الهدوء، والوضوح، والقدرة على تقبّل حدود الواقع. فبعد 120 دقيقة من العقم الهجومي، ابتسمت ركلات الترجيح للمنتخب النيجيري (4-2)، ليحصد المركز الثالث في كأس إفريقيا للأمم (المغرب 2025)، بينما خرج المنتخب المصري محمّلاً بخطاب أكثر امتلاءً من شباكه.

ميدانياً، لم تكن المباراة صادمة. تغييرات واسعة من الجانبين، نجوم على دكة الاحتياط، إيقاع حذر، ومحاولات بلا أنياب. مصر استحوذت أكثر، لكنها لم تفعل أكثر. ونيجيريا انتظرت، راقبت، ثم قبلت الذهاب إلى ركلات الحسم بثقة من يعرف أن كرة القدم لا تُكافئ النوايا بل الأفعال.

السيطرة… حين تصبح رقماً بلا معنى

سيطر المنتخب المصري، نعم. تبادل الكرة، نعم. اقترب من منطقة الجزاء، أحياناً. لكنه في كل مرة كان يتوقف عند السؤال الأصعب: ماذا بعد؟

لم يكن غياب النجاعة قدراً سماوياً، بل نتيجة خيارات تقنية محافظة، وبطء في التحول، وإصرار على نمط لعب مكشوف. في المقابل، لعبت نيجيريا بأقل استحواذ وأكثر وضوح: دفاع منظم، مرتدات سريعة، وهدوء نفسي يُدرَّس.

حتى الأهداف الملغاة، سواء لأوناشو في الشوط الأول أو لآدامز في بداية الشوط الثاني، لم تغيّر من جوهر الصورة: مباراة بلا حلول هجومية حقيقية، وبلا مخاطرة محسوبة من الطرف المصري.

من دكة البدلاء إلى منصة التصريحات

لكن المفارقة لم تكن فوق العشب، بل بعد صافرة النهاية. فبدل أن يُفتح نقاش هادئ حول الاختيارات، والأداء، وحدود هذه النسخة من المنتخب المصري، فُتح باب آخر أكثر ألفة: باب التبرير.

خطاب متخم بالإيحاءات، يلوّح أحياناً بالتحكيم، وأحياناً بالضغط، وأحياناً ـ دون تسمية مباشرة ـ بالبلد المنظم، وكأن المشكلة لم تكن في غياب الهدف، بل في مكان إقامة المباراة.

هنا، لم يعد حسام حسن مدرباً يناقش مباراة، بل راوياً لملحمة عاطفية، حيث تتحول السيطرة إلى “استحقاق”، والهزيمة إلى “ظلم”، والعجز الهجومي إلى “تفاصيل”. خطاب يستثمر في التاريخ أكثر مما يقرأ الحاضر، ويستدعي الأمجاد بدل تحليل التسعين دقيقة.

نيجيريا… كرة قدم بلا خطابة

على الجهة الأخرى، لم تتحدث نيجيريا كثيراً. لم تشتكِ من شيء، ولم تطلب تفسيراً لما حدث. لعبت، انتظرت، سجلت ركلات الترجيح، وغادرت.

منتخب يعرف أن المركز الثالث لا يُهدى، وأن الفوز لا يحتاج إلى بيان ناري، بل إلى أعصاب باردة، وحارس مرمى يصد، ولاعبين يسددون بثقة.

حين تتحول البطولة إلى مرآة

كأس إفريقيا 2025 لم تكن قاسية على مصر بقدر ما كانت كاشفة. كشفت أن التاريخ لا يلعب، وأن السيطرة بلا فعالية مجرد إحصاء، وأن تحميل الخارج مسؤولية الإخفاق هو أسرع طريق لتكراره.

أما المغرب، البلد المنظم، فواصل دوره بصمت: ملاعب، تنظيم، تحكيم، وترك الكلمة الأخيرة للكرة وحدها. والكرة، هذه المرة، اختارت نيجيريا… بلا خطب، بلا شماعات، وبلا ضجيج.

وفي انتظار نهائي مغربي-سنغالي، يبقى السؤال مطروحاً في القاهرة أكثر من أي مكان آخر:

متى يتوقف الخطاب عن تسجيل الأهداف… ويبدأ الفريق في ذلك؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com