لم يكن نهائي كأس إفريقيا للأمم، الذي احتضنه ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، مجرد مباراة حُسمت بتفاصيل تقنية أو لحظة تركيز ضائعة، بل تحوّل إلى واقعة كروية إشكالية ستظل مطروحة للنقاش طويلًا، ليس بسبب الخسارة فقط، وإنما بسبب القرار غير المعلن الذي رافق ضربة الجزاء الحاسمة، وما أعقبها من ارتباك، احتجاج، ثم صمت رسمي.
عندما تدخلت تقنية الفيديو في آخر أنفاس الوقت الأصلي، وأكدت وجود خطأ واضح داخل مربع العمليات ضد إبراهيم دياز، لم يكن الحكم سوى منفذ لقرار تحكيمي صحيح، وفق القوانين. ضربة جزاء مستحقة، لا لبس فيها، ولا مجال لتأويلها. غير أن ما تلا الإعلان عنها، هو ما أربك المشهد، وأخرج المباراة من سياقها الرياضي الطبيعي.
احتجاج سنغالي… وارتباك مغربي
احتج الطاقم التقني السنغالي، وهدد اللاعبون بالانسحاب من أرضية الميدان، في سلوك يتنافى مع القوانين ومع روح المنافسة. في مثل هذه الحالات، يكون القرار واضحًا: إما العودة للعب وتنفيذ الحكم، أو تطبيق العقوبات المنصوص عليها.
لكن ما حدث فعليًا هو تعليق غير مفهوم للحزم التحكيمي، وترك المجال لتصعيد نفسي وإعلامي، خلق أجواء مشحونة داخل الملعب، وفي المدرجات، وحتى في المنصة الصحفية. هنا، لم يعد السؤال: لماذا احتج السنغاليون؟ بل: لماذا لم يُحمَ القرار التحكيمي؟
ضربة جزاء… أم ضربة معنوية؟
اختار إبراهيم دياز تنفيذ ركلة الجزاء بأسلوب “بانينكا”، قرار تقني يتحمل اللاعب مسؤوليته كاملة. غير أن السياق النفسي الذي سبق التنفيذ، من توقف طويل، وضغط جماهيري، واحتجاجات متواصلة، هل جعل من ضربة الجزاء عبئًا نفسيًا أكثر منها فرصة تهديفية أم أن قرارات اتخذت لإهدار ضربة جزاء لكي يواصل المنتخب السينغالي المباراة و حماية صورة المغرب بعيدا عن الكولسة و لقجع . .
إهدار الركلة لم يكن نهاية القصة، بل بدايتها. فالمنتخب المغربي، الذي كان الطرف الأكثر توازنًا في أغلب أطوار اللقاء، دخل الأشواط الإضافية مثقلًا بالإحباط، في حين بدا المنتخب السنغالي أكثر تحررًا، وكأنه نجا من “الخطر الأكبر”.
سؤال مشروع: من خاف على الصورة؟
هنا يطرح السؤال الأكثر حساسية:
هل خشي المغرب، رسميًا أو ضمنيًا، من أن يُتهم بـ“التأثير” أو “الكولسة” أو التدخل في قرارات التحكيم، خاصة في بطولة ينظمها على أرضه؟
وهل فُضِّل تمرير اللحظة بأقل خسائر سياسية وإعلامية، ولو على حساب الكأس؟
لا توجد أدلة، ولا اتهامات مباشرة، لكن غياب الحزم في لحظة مفصلية، وترك الانطباع بأن القرار التحكيمي قابل للتشكيك، هو ما فتح باب التأويل، بدل إغلاقه.
في كرة القدم الحديثة، حماية الحكم وقراراته جزء من حماية النزاهة، وليس العكس. القبول بالضغط، أو الخوف من “تشويه الصورة”، قد يؤدي paradoxically إلى النتيجة نفسها التي يُراد تفاديها.
خسارة بشرف… أم خسارة بصمت؟
خسر المنتخب الوطني المغربي النهائي بهدف في الشوط الإضافي الأول، بعد مباراة قدم فيها لاعبوه أداءً تنافسيًا عاليًا، وأضاعوا فرصًا حقيقية للحسم. لكن ما سيبقى في الذاكرة، ليس الهدف السنغالي، بل لحظة ضربة الجزاء، وما رافقها من تردد جماعي.
ربما كان الأجدر أن يُترك الحكم يطبق القانون حتى نهايته، وأن يُترك الملعب للكرة، لا للحسابات الجانبية. فالصورة الحقيقية لأي بلد كروي لا تُحمى بالمجاملة، بل بالثقة في المؤسسات، وفي القوانين، وفي عدالة اللعبة.
خسر المغرب الكأس… لكن السؤال الذي سيظل مطروحًا:
هل كان بالإمكان أن يخسرها بطريقة أوضح، وأصدق، وأقرب إلى روح كرة القدم؟