القاهرة على صفيح ساخن: الكاف بين منطق الشرعية القانونية وهاجس الزلزال الكروي

بوشعيب البازي

Screenshot

تشهد العاصمة المصرية القاهرة، مقر الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف)، حالة من الترقب المشوب بالحذر، توصف في كواليس القرار الرياضي بـ”الهدوء الذي يسبق العاصفة”. فخلال الساعات القليلة الماضية، برزت معطيات متقاطعة من داخل أروقة لجنة الانضباط، تعكس حجم الإرباك المؤسساتي الذي يعيشه الجهاز القاري، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ المنافسات الإفريقية.

القضية، التي تجاوزت بعدها الرياضي الصرف، باتت اختباراً حقيقياً لقدرة الكاف على التوفيق بين منطق العدالة الرياضية، واحترام المساطر القانونية الدولية، من جهة، والحفاظ على استقرار المنظومة الكروية الإفريقية وتفادي تداعيات جماهيرية وقانونية معقدة، من جهة أخرى.

قرار “وسط” محفوف بالمخاطر القانونية

تشير المعطيات المتداولة داخل لجنة الانضباط إلى توجه محتمل لاعتماد صيغة قرار توصف بـ”الوسطية”، تقضي بتثبيت النتيجة الميدانية لصالح المنتخب السنغالي، مع تجميد صرف المكافأة المالية المخصصة للبطل، والبالغة سبعة ملايين دولار، إلى حين صدور حكم نهائي عن محكمة التحكيم الرياضي (الطاس).

هذا الخيار، وإن بدا ظاهرياً محاولة لامتصاص الصدمة، إلا أنه يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بوجود خلل قانوني أو إجرائي قد يفتح الباب أمام مراجعة لاحقة للقرار، وهو ما يضع الكاف في وضعية دقيقة أمام الهيئات القضائية الدولية.

تقرير تحكيمي يوصف بـ”الأسود”

في موازاة ذلك، تفيد نفس المصادر بأن الحكم الدولي فيكتور غوميز قدم تقريراً صارماً إلى لجنة الانضباط، تضمن توصيفاً شديد اللهجة لما صدر عن دكة بدلاء المنتخب السنغالي، معتبراً أن ما جرى تجاوز حدود الاحتجاج الرياضي إلى ما سماه “ضغطاً منظماً وغير مقبول” على الطاقم التحكيمي.

وبحسب هذه المعطيات، فإن غوميز لا يدفع في اتجاه الاكتفاء بعقوبات مالية رمزية، بل يطالب بإجراءات تأديبية ثقيلة، قد تصل إلى إيقافات طويلة الأمد في حق أي مسؤول ثبت تورطه في التحريض أو في فقدان السيطرة على سلوك اللاعبين، بهدف توجيه رسالة ردعية واضحة على مستوى القارة.

الحكم ندالا تحت مجهر التقييم

أما على مستوى التحكيم، فتؤكد المعلومات المتداولة أن الحكم جان جاك ندالا غادر القاهرة في وضع نفسي صعب، عقب إخضاعه لجلسات تقييم تقنية أظهرت، بحسب نفس المصادر، ارتباكاً واضحاً في إدارة لحظات حاسمة، خصوصاً في ما يتعلق بحماية منطقة الجزاء وضبط محيط اتخاذ القرار.

وتفيد التوجهات الحالية داخل لجنة الحكام بإمكانية سحب الشارة الدولية من الحكم المعني بشكل مؤقت، في انتظار استكمال مسار التقييم والتكوين، في خطوة تعكس سعي الكاف إلى تحميل المسؤوليات الفردية، ولو جزئياً.

مقاربة دبلوماسية لتفادي التصعيد

في سياق موازٍ، برز تحرك يوصف بـ”الدبلوماسي”، تمثل في اتصالات غير معلنة بين مسؤولين في الكاف وشخصيات رياضية مغربية، بغرض استكشاف إمكانية احتواء الأزمة عبر حزمة من العقوبات الانضباطية الصارمة ضد الطرف السنغالي، مقابل عدم المضي قدماً في المسار القضائي أمام محكمة التحكيم الرياضي.

غير أن المؤشرات المتوفرة تفيد بأن الجانب المغربي متمسك بخيار الاحتكام إلى الآليات القانونية الدولية، باعتباره مساراً مؤسسياً لا يقبل المقايضة، خاصة في ظل ما يعتبره إخلالاً بمبدأ تكافؤ الفرص وسلامة المنافسة.

بيان مرتقب تحت إشراف أعلى هرم القرار

وفقاً للمصادر نفسها، فإن البيان الرسمي للكاف بات جاهزاً من الناحية التقنية، وينتظر فقط المصادقة النهائية من رئيس الاتحاد، باتريس موتسيبي، الذي يجري مشاورات مكثفة مع مستشاريه القانونيين، تحسباً لأي ثغرات قد تستغل لاحقاً أمام محكمة لوزان.

ويجد الكاف نفسه اليوم أمام معادلة معقدة: فهو يخشى من تداعيات سحب لقب قاري وما قد يرافقه من احتجاجات وفقدان للثقة الجماهيرية، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن تجاهل ما حدث، أو الاكتفاء بعقوبات شكلية، قد يعرضه لانتقادات حادة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ويضرب مصداقية منظومته التأديبية في العمق.

ما يجري في القاهرة لا يتعلق فقط بمباراة أو بلقب، بل بمستقبل الحكامة الرياضية في إفريقيا. فالقرار المنتظر سيشكل سابقة مؤسساتية، إما تعزز منطق سيادة القانون داخل الكرة الإفريقية، أو تكرس منطق الحلول الرمادية التي تؤجل الأزمات بدل معالجتها. وفي كلتا الحالتين، تبدو الساعات المقبلة حاسمة في رسم ملامح مرحلة جديدة للكاف، تحت مجهر المتابعين داخل القارة وخارجها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com