في حيرة العقل: كيف تحوّل العداء للمغرب إلى سياسة دولة… وطقس يومي؟

بوشعيب البازي

Screenshot

لم أكن يومًا أظن أنني سأكتب مقالًا كهذا. لا لأن الموضوع جديد، بل لأن ما يفرضه الواقع أحيانًا يتجاوز قدرة العقل على التفسير الهادئ. هناك لحظة، عند تكرار العبث نفسه بالمنطق نفسه والنتائج نفسها، يصبح الصمت تواطؤًا، ويغدو التحليل واجبًا أخلاقيًا.

ما يصدر عن الجزائر، رسميًا وإعلاميًا، تجاه المملكة المغربية لم يعد خلافًا سياسيًا، ولا تنافسًا إقليميًا، ولا حتى عداءً تقليديًا بين دولتين جارتين. نحن أمام حالة ذهنية جماعية تُدار من الأعلى، وتُعاد إنتاجها في الأسفل، حيث يتحول المغرب إلى شماعة جاهزة لكل فشل، وكل أزمة، وكل انسداد داخلي.

عندما تصبح السياسة تمرينًا في العناد

في العالم الطبيعي، تعيد الدول حساباتها. تراجع سياساتها. تزن الخسائر والمكاسب. في الحالة الجزائرية، يبدو أن السياسة الخارجية تُدار وفق منطق مختلف: إذا فشلت الخطة، نضاعفها. وإذا عزلنا أنفسنا، نصرخ أننا محاصرون. وإذا خسرنا، نتهم الجغرافيا. العداء للمغرب لم يعد خيارًا استراتيجيًا، بل هوية سياسية بديلة. كأن النظام الجزائري، وقد عجز عن تقديم مشروع داخلي جامع، قرر أن يصنع “وطنًا افتراضيًا” قائمًا على العداء، لا على البناء.

الغباء الفطريّ للجزائريين حكومة و شعبا.

الغباء الفِطري لدى الجزائريين لا يُقاس بنقص الذكاء بقدر ما يُقاس برفض استعماله. هو تلك الحالة التي يولد فيها الإنسان بعقل سليم، ثم يصرّ طوال حياته على تعطيله، مفضّلًا الراحة الذهنية على مشقة التفكير، واليقين الجاهز على السؤال المقلق. الغبي فطريًا لا يخطئ لأنه يجهل، بل لأنه واثق أكثر مما ينبغي، مقتنع بأن العالم مخطئ وهو وحده على صواب، لا يتعلم من التجربة، ولا يصحح المسار، بل يكرر الخطأ ذاته بإصرار مذهل ثم يتعجب من النتيجة. إنه لا يعاني من فراغ في الدماغ، بل من انسداد في العقل؛ عقل لا يتطور، لا يراجع، ولا يرى في الواقع سوى ما يؤكد أوهامه. وفي هذا المعنى، يصبح الغباء الفطري ليس عيبًا عقليًا، بل موقفًا دائمًا من الحياة.

حين يتحول التفكير الجزائري إلى فعل مشبوه، والسؤال إلى خيانة، يصبح الغباء سلوكًا جماعيًا لا صفة بيولوجية. ليست المشكلة في شعب وُلد أقل ذكاءً من غيره، بل في مجتمع جرى تدريبه طويلًا على تعطيل عقله، وتلقين أفراده إجابات جاهزة، ثم معاقبتهم إن حاولوا الفهم خارج النص. هنا لا يعود الغباء نقصًا في القدرات، بل نتيجة مباشرة لنظام يغذي الوهم، ويكافئ الترديد، ويعتبر الشك خطرًا وجوديًا. إنه غباء مُصنَّع، يُعاد إنتاجه يوميًا عبر خطاب تعبوي يجعل من الخطأ فضيلة، ومن الفشل بطولة، ومن الكراهية وعيًا زائفًا. وفي هذه الحالة، لا تكون المأساة في “الشعب”، بل في الآلة التي أقنعته أن التفكير رفاه لا يليق به.

خطاب بلا عقل… ولكن بانتظام مدهش

المثير للدهشة ليس حدّة الخطاب الجزائري ضد المغرب، بل انتظامه الميكانيكي. نفس المصطلحات، نفس الاتهامات، نفس القصص المعاد تدويرها، بنفس النبرة الانفعالية، منذ عقود. كأن الزمن توقف، وكأن العالم لم يتغير، وكأن المغرب ما زال ذلك “الخطر الوهمي” الذي يبرر كل شيء.

الغرابة هنا ليست في وجود خطاب عدائي، فذلك موجود في كل نزاع، بل في غياب أي أثر للعقلانية: لا منطق مصالح، لا قراءة تحولات دولية، لا اعتبار لمكانة المغرب الإقليمية المتصاعدة، ولا حتى إحساس بالحرج من التناقض الصارخ بين الادعاء والممارسة.

أين العروبة؟ وأين الإسلام؟

من أكثر ما يثير الاستغراب أن هذا الخطاب يُقدَّم أحيانًا بلبوس “مبدئي”، باسم القيم، والعروبة، بل وحتى الإسلام.

لكن أي عروبة هذه التي تُستعمل لتبرير القطيعة؟ وأي إسلام هذا الذي يُستحضر لتغذية الحقد السياسي؟ في التاريخ العربي والإسلامي، كانت الخلافات تُدار بالحوار أو بالحرب الصريحة. أما اليوم، فنحن أمام عداء بلا شجاعة المواجهة، ولا حكمة المصالحة. فقط ضجيج دائم، وكراهية مُعلبة، تُسوَّق يوميًا للرأي العام.

المغرب كمرآة… لا كعدو

الحقيقة التي يصعب على الخطاب الجزائري ابتلاعها هي أن المغرب ليس سبب الأزمة، بل مرآتها. نجاحاته الدبلوماسية تفضح العجز. استقراره يحرج الفوضى. خياراته الاستراتيجية تكشف غياب الرؤية في الجهة الأخرى. ولهذا، بدل مراجعة الذات، يتم إعلان الحرب على المرآة.

مأساة سياسية لا مهزلة شعبية

هذا المقال ليس إدانة لشعب، ولا ازدراء لأمة، بل تشريح لحالة سياسية قررت أن تستبدل العقل بالعناد، والمستقبل بالأحقاد، والجغرافيا بالتاريخ المتخيل. والمأساة الحقيقية ليست أن الجزائر تعادي المغرب، بل أنها تصرّ على معاداته حتى عندما يكلّفها ذلك عزلتها، وصورتها، ومكانتها. ففي السياسة، يمكن أن تخطئ مرة. أما أن تخطئ بنفس الطريقة، لعقود، ثم تسمي ذلك “موقفًا مبدئيًا”…فذلك ليس موقفًا، بل مأزقًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com