يبدو أن المملكة المغربية لم تعد تزعج محيطها لأنها تقول الكثير، بل لأنها تفعل أكثر مما ينبغي. ففي زمن عربي وإفريقي اعتاد التعايش مع الأعطال المزمنة، قرر المغرب أن يرتكب خطيئة نادرة: أن يشتغل. لا ضجيج أيديولوجي، لا خطب ثورية، لا معارك وهمية ضد “أعداء متخيلين”، بل عمل بارد، تراكمي، وصبور. وهنا بالضبط بدأت المشكلة، لأن أسوأ ما يمكن أن تواجهه أنظمة مأزومة هو جار ناجح لا يحتاج إلى تبرير نفسه.
المغرب، في نظر منتقديه، لم يهرب من إفريقيا، بل “فرّ” منها. والحقيقة أنه لم يفرّ إلا من الفوضى، ومن ثقافة التبرير، ومن منطق الانتظار. لقد اختار طريقاً مختلفاً: الاستثمار في الأمن قبل الشعارات، وفي البنية التحتية قبل البيانات، وفي التنظيم قبل الخطابة. وفي قارة تُقاس فيها الإنجازات بعدد المؤتمرات لا بعدد الطرق والموانئ، بدا هذا الاختيار استفزازياً حدّ الإزعاج.
منذ قرون، تُدار المملكة بمنطق استمرارية الدولة، لا بمنطق الصدفة السياسية. مؤسسة إمارة المؤمنين، بعيداً عن القراءات السطحية، لعبت دور صمام أمان تاريخي، جنّب البلاد حروب الشرعية والانقلابات والتجارب العبثية. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الاستقرار إلى نفوذ ناعم، ثم إلى نفوذ صلب، جعل من المغرب رقماً صعباً في معادلات الأمن الإقليمي، والتنظيم، والتدبير الهادئ للأزمات.
وحين وصل المغرب إلى لحظة تنظيم كأس أمم إفريقيا، لم يكن الحدث رياضياً فقط، بل اختباراً رمزياً. اختبار كشف أن السقف الذي كان يُعتبر حلماً صار واقعاً. بنية تحتية، أمن محكم، تنظيم دقيق، وصورة دولة تعرف ماذا تريد. وهنا انقلب الاحتفال إلى قلق، لأن نجاح المغرب لم يكن عادياً، بل كان مقارنة مباشرة، والمقارنة في منطقتنا فعل عدائي.
فجأة، تحركت ماكينة الاتهامات: تشكيك، تسريبات، كراسات مطلبية، اتفاقيات تُستحضر من الأدراج، وحملات إعلامية منسقة. كل ذلك لا يجمعه خيط واحد سوى الرغبة في شيء بسيط: ألا ينجح المغرب أكثر. لأن نجاحه لا يحرج خصومه فقط، بل يفضح أعذارهم التاريخية.
من وجهة نظري كصحفي متابع لهذا المجال، أرى أن ما يُحاك ضد المغرب ليس خلافاً رياضياً ولا تنافساً دبلوماسياً عادياً، بل رد فعل نفسي-سياسي على دولة كسرت القاعدة غير المكتوبة في المنطقة: لا تنجح كثيراً كي لا تُغضب الآخرين. الجزائر، للأسف، تتصدر هذا المشهد، لا بدافع قوة استراتيجية، بل بدافع صدمة داخلية عميقة، خصوصاً بعد أن شاهد جزء من شعبها الفارق بعينيه حين ولج إلى المغرب، واكتشف أن المشكلة لم تكن يوماً في “المؤامرة الخارجية”، بل في نموذج الدولة.
حين يعود المواطن الجزائري بسؤال بسيط: لماذا هناك دولة تعمل وهنا دولة تشرح؟ لماذا هناك أفق وهنا خطاب؟ يصبح نجاح المغرب خطراً وجودياً على سردية كاملة. وعندما تنهار السردية، لا يبقى سوى الهجوم.
المغرب لا يدّعي الكمال، ولا يقدم نفسه نموذجاً أخلاقياً، لكنه اختار أن يكون دولة. وهذه في حد ذاتها جريمة غير قابلة للغفران في محيط اعتاد أن يساوي بين الفشل والشرعية. في الجيوسياسة، لا تُحارب الدول فقط عندما تضعف، بل عندما تنجح أكثر مما يسمح به توازن الغيرة.