المليون ونصف شهيد… حين يتحوّل الرقم إلى نظام حكم

بوشعيب البازي

ليس في هذا المقال أي استخفاف بتضحيات الجزائريين الذين قاوموا الاستعمار الفرنسي، ولا أي محاولة للعبث بذاكرة الألم الجماعي. الدم الذي سُفك حقيقي، والمعاناة موثقة، والمقاومة كانت واقعاً تاريخياً لا يحتاج إلى تضخيم كي يكتسب شرعيته. ما يستحق النقاش اليوم ليس الثورة، بل الطريقة التي احتكر بها النظام الجزائري روايتها، وحوّلها من حدث تحرري إلى أداة حكم دائمة.

رقم “المليون ونصف شهيد” لا يُقدَّم في الجزائر بوصفه تقديراً تاريخياً قابلاً للبحث، بل كحقيقة نهائية مغلقة. لا أرشيف مفتوح، لا نقاش أكاديمي، لا مقاربة ديمغرافية مقارنة، فقط رقم جاهز يُستعمل كما تُستعمل الشعارات الكبرى: للاستهلاك السياسي، لا للفهم. المفارقة أن الأرشيف الفرنسي نفسه، رغم انحيازاته الاستعمارية، لا يؤكد هذا الرقم، كما أن عدداً من المؤرخين الجزائريين المستقلين تحدثوا عن أرقام أقل، لكنها أكثر انسجاماً مع معطيات تلك المرحلة. غير أن التاريخ، في الجزائر الرسمية، لا يُكتب بالوثائق بل بالبلاغات.

مع مرور الزمن، لم يعد الشهيد رمزاً للتضحية، بل تحوّل إلى وظيفة سياسية. كل إخفاق اقتصادي يُبرَّر باسمه، وكل قمع يُمارَس باسمه، وكل فشل في بناء الدولة يُعلَّق على شماعة الماضي. حين تفشل الحكومة في إدارة الحاضر، تستدعي الموتى للدفاع عنها. هكذا أصبح الرقم تفسيراً شاملاً لكل شيء، من انهيار القدرة الشرائية إلى انسداد الأفق السياسي، وكأن الاستقلال حدث بالأمس، وكأن الزمن توقّف عند نوفمبر.

المأساة الحقيقية ليست في الجدل حول العدد، بل في سرقة الثورة نفسها. جيل التحرير لم يحكم، ومن حكموا لم يكونوا دائماً من صُنّاعها. نشأت طبقة سياسية ورثت الخطاب لا الفعل، وتبنّت الشرعية الثورية كبديل دائم عن الشرعية الديمقراطية. ومنذ ذلك الحين، صار يُقال للجزائريين إن النظام هو الامتداد الطبيعي للشهداء، حتى عندما يناقض سياساته كل ما خرجوا من أجله.

في هذا السياق، تحوّل التاريخ إلى أداة قمع ناعمة. لا حاجة دائماً إلى العصيّ أو السجون؛ يكفي طرح سؤال واحد ليُغلق النقاش: “هل تشكّك في تضحيات الشهداء؟”. بهذه الجملة، يُلغى العقل النقدي، وتُصنَّف الأسئلة الأكاديمية كخيانة، ويُجرَّم التفكير بوصفه مؤامرة. الدفاع عن الحقيقة التاريخية يصبح جريمة أخلاقية، لا عملاً علمياً.

النتيجة أن الجزائر الرسمية علّقت نفسها في زمن واحد. بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، ما زالت الشرعية ثورية لا دستورية، وما زال الجيش يُقدَّم بوصفه “وارث الثورة” لا مؤسسة جمهورية خاضعة للمساءلة، وما زال المواطن يُطالَب بالصبر باسم موتى لم يختاروا أن تُستعمل تضحياتهم لتبرير الفشل المتراكم.

السؤال الحقيقي ليس كم بلغ عدد الشهداء، بل ماذا فُعل بتضحياتهم. هل استُثمرت لبناء دولة القانون، أم لتحصين نظام مغلق؟ هل كانت جسراً نحو المستقبل، أم قيداً يُمنَع به أي نقاش حول الحاضر؟

لو كان النظام الجزائري واثقاً من نفسه، لفتح الأرشيف، وشجّع البحث التاريخي، وفصل بين قدسية التضحيات وابتذال التوظيف السياسي. لكنه لا يفعل، لأن الرقم تحوّل إلى آخر رصيد رمزي يملكه. وحين تخاف السلطة من الأرقام، فذلك لأنها بلا إنجازات تحتمي بها. وحين يسقط الرقم من موقعه المقدّس، يسقط معه نظام بُني على ذاكرة مجمّدة، لا على دولة حيّة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com