مقال استقصائي: سقوط هندسي في الساحل: كيف خرجت الجزائر من قلب المعادلة دون رصاصة واحدة؟
بوشعيب البازي
لم يكن ما شهدته الجزائر في محيط الساحل الإفريقي مجرد تراجع ظرفي في النفوذ، ولا خسارة تكتيكية قابلة للتدارك، بل شكّل مساراً أقرب إلى سقوط هندسي متكامل الأركان. انهيارٌ صامت، متدرّج، لكنه عميق، كشف هشاشة بنيوية داخل منظومة القرار، وعرّى فقدان السيطرة داخل المؤسسات، وأظهر ارتباكاً غير مسبوق في إدارة الملفات الإقليمية التي طالما شكّلت ركيزة القوة الجزائرية.
لعقود، قدّمت الجزائر نفسها للمجتمع الدولي على أنها نقطة التوازن الأساسية في الساحل، والوسيط الذي لا يمكن تجاوزه، والعقدة التي تمر عبرها شبكات الأمن والاستخبارات الإقليمية. غير أن نهاية العقد الماضي حملت معها بداية تصدّعات واضحة في هذه الصورة، تصدّعات لم تكن مرئية في البداية، لكنها كانت كافية لسحب الدور الجزائري تدريجياً نحو الهامش.
أولى هذه التصدّعات تمثّلت في انهيار العمود الأمني الذي شكّل تاريخياً مصدر النفوذ الجزائري في مالي والنيجر. تقارير أوروبية متخصصة أشارت إلى أن الجزائر فقدت فجأة القدرة على التحكم في شبكاتها الاستخباراتية، ليس بفعل ضغوط خارجية فقط، بل نتيجة انقسام داخلي خطير داخل الأجهزة الأمنية نفسها. تيار يميل نحو موسكو، وآخر يسعى للحفاظ على رضا باريس، وثالث غارق في ارتباك استراتيجي بلا بوصلة واضحة. هذا التمزق الداخلي أدى إلى تسريب معطيات حساسة، وانقطاع قنوات التنسيق، وانهيار الثقة بين مختلف مراكز القرار.
مركز تحليل أوروبي مختص في شؤون الساحل لخّص الوضع بعبارة لافتة حين أشار إلى أن الجزائر، خلال السنوات الخمس الأخيرة، فقدت قدرتها على تقديم معلومات استخباراتية موثوقة لشركائها، ما جعل حضورها الأمني عبئاً بدل أن يكون قيمة مضافة. هذا التوصيف كان صادماً بالنظر إلى الصورة التي لطالما سعت الجزائر إلى تسويقها كـ«دولة مفصلية» لا غنى عنها في معادلات المنطقة.
لأعوام طويلة، غضّت الولايات المتحدة الطرف عن علاقات الجزائر الرمادية مع بعض الجماعات المسلحة في الصحراء الكبرى، باعتبارها «وسيط الضرورة» القادر على تهدئة الفوضى عند الحاجة. غير أن هذه المعادلة انهارت مع انسحاب فرنسا من الساحل، ودخول فاعلين جدد مثل مجموعة فاغنر إلى مالي، ما أفقد الجزائر موقعها كقناة اتصال وحيدة. عند هذه النقطة، جاء التصريح الأمريكي الحاسم الذي اعتبر أن الجزائر أصبحت جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل، في إشارة واضحة إلى قطيعة استراتيجية غير معلنة.
الأرقام وحدها كفيلة بتوضيح حجم الانهيار. ففي سنة 2018، كانت الجزائر تتوفر على 26 نقطة اتصال أمنية واستخباراتية في دول الساحل. بحلول 2024، لم يتبقَّ سوى سبع نقاط فقط، أي أن ما يقارب 80 في المائة من النفوذ الأمني الجزائري تبخّر خلال فترة قصيرة نسبياً. الأخطر من ذلك أن هذا التراجع لم يكن نتيجة حرب أو عقوبات دولية، بل نتيجة تفكك داخلي وسوء تقدير سياسي.
في المقابل، كانت قوى إقليمية أخرى تتحرك لملء الفراغ. خلال الفترة نفسها، فتح المغرب 14 مكتب اتصال جديداً في إفريقيا، في مسار وصفه دبلوماسيون أوروبيون بأنه لم يكن توسعاً رمزياً، بل إعادة توزيع فعلية للنفوذ. هكذا، سقط الدور الجزائري في الساحل دون إطلاق رصاصة واحدة، ودون قرار دولي معلن، بل عبر مسار بطيء من العزلة وفقدان الثقة.
في الأروقة الأوروبية، بدأ يُتداول توصيف قاسٍ: الجزائر تتحدث كثيراً وتقدّم القليل. وكان هذا بمثابة جرس إنذار أخير يؤكد أن الهالة القديمة بدأت تتلاشى، وأن الغرب بات يبحث عن فاعل بديل قادر على إدارة التعقيدات الأمنية والاقتصادية للساحل بفعالية أكبر.
وهنا طُرح السؤال الجوهري داخل دوائر القرار الغربية: من يملأ الفراغ؟
ومع كل مراجعة للخرائط والتحالفات، كانت المؤشرات تتجه في اتجاه واحد، إيذاناً ببداية مرحلة جديدة في هندسة النفوذ الإقليمي