تُظهر التجربة المغربية المعاصرة أن الاستقرار ليس معطىً ظرفياً، بل نتيجة تفاعل مركّب بين بنية الدولة، وعمق الشرعية التاريخية للمؤسسة الملكية، ونضج اجتماعي تشكّل عبر تراكمات حضارية وسياسية ممتدة. هذا المعطى بالذات هو ما يربك، منذ عقود، الفاعلين الذين يبنون مواقفهم على أمل تفكك الداخل المغربي، أو على وهم انكسار العلاقة العضوية بين الدولة والمجتمع.
لقد راهن هؤلاء، مراراً، على أن أي لحظة توتر — سياسية كانت أو رياضية أو اجتماعية — يمكن أن تتحول إلى شرارة انفجار، وأن الهزيمة الرياضية، مثلاً، قد تكون مدخلاً لتفريغ الغضب في اتجاه تقويض النظام السياسي. غير أن الوقائع، مرة أخرى، كذّبت هذا الرهان، كما كذّبت قبله محاولات أكثر مباشرة وأشد عدوانية.
الرياضة كاختبار سياسي… وفشل المقاربة التحريضية
خلال نهائيات كأس إفريقيا لكرة القدم، برزت محاولة منظمة لاستثمار الحدث الرياضي خارج سياقه الطبيعي، عبر حملات تضليل رقمية، من ضمنها توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في فبركة محتويات توحي بوجود احتجاجات جماهيرية تطالب بإسقاط النظام الملكي. هذه المحاولات لم تكن بريئة ولا عفوية، بل تندرج في سياق أوسع من السعي إلى كسر صورة المغرب كبلد مستقر ومتوازن، وإلى التشويش على نجاحه في تنظيم تظاهرة قارية كبرى.
غير أن السلوك الجماهيري الفعلي جاء نقيضاً كاملاً لهذا السيناريو. فبعد الإقصاء في المباراة النهائية، غادر الجمهور المغربي الملاعب والساحات العامة بهدوء، مثقلاً بخيبة رياضية مشروعة، لكن من دون أن تنقلب الحسرة إلى غضب سياسي أو فوضى اجتماعية. هنا، لا يمكن الحديث عن ضبط أمني فقط، بل عن ضبط ذاتي جماعي، نابع من ثقافة سياسية ضمنية ترى في الاستقرار قيمة، وفي الدولة إطاراً جامعاً لا خصماً.
النضج السياسي بوصفه رأسمالاً حضارياً
ما تابعه العالم، أمام جمهور عالمي واسع، لم يكن مجرد مباراة كرة قدم، بل مشهداً دالاً على نضج سياسي متجذر. في مقابل انفعالات وشغب صدر عن جمهور الفريق المنافس، اختار الجمهور المغربي الامتناع عن الرد بالمثل، مكرّساً صورة مجتمع قادر على إدارة الانفعال، وعلى الفصل بين التنافس الرياضي والانتماء الوطني.
هذا السلوك لا يمكن فصله عن الخلفية الحضارية التي تشكّل فيها الوعي الجماعي المغربي، حيث ظلت الملكية، عبر التاريخ، تلعب دور الضامن لوحدة البلاد، والحَكَم بين مكوناتها، والمُؤطِّر لإيقاع الإصلاح والتغيير. وهو ما عبّر عنه الملك محمد السادس بوضوح، حين ثمّن هذا النضج الشعبي، مؤكداً أن المغاربة “لن ينساقوا وراء الضغينة والتفرقة”، وأن المخططات المعادية محكوم عليها بالفشل.
إخفاق محاولات التشويش على البعد الإفريقي للمغرب
لم تتوقف محاولات الاستهداف عند الشأن الداخلي، بل امتدت إلى محاولة الإيقاع في العلاقات المغربية الإفريقية، عبر استثمار أجواء المنافسة الرياضية. غير أن الدينامية الدبلوماسية والاقتصادية للمغرب في القارة الإفريقية أثبتت، مرة أخرى، أنها أقوى من أن تتأثر بتوتر عابر في ملعب كرة قدم.
ففي خضم هذا الضجيج، استمرت الاجتماعات الثنائية والمتعددة الأطراف في الرباط، من بينها انعقاد اللجنة الوزارية المغربية–السنغالية المشتركة، واجتماع وزراء المالية الأفارقة، وانتخاب المغرب نائباً لرئيس الإنتربول عن القارة الإفريقية. كلها مؤشرات عملية تؤكد أن الشراكات الإفريقية للمغرب تقوم على مصالح استراتيجية طويلة المدى، لا على انفعالات ظرفية.
موقع المغرب في التحولات الدولية الكبرى
على الصعيد الدولي، يواصل المغرب ترسيخ موقعه كفاعل موثوق، بفضل توازن سياسته الخارجية ووضوح خياراته. عضوية الملك محمد السادس في مجلس السلام، بدعوة من الرئيس الأمريكي، تندرج في هذا السياق، وتؤشر إلى الاعتراف الدولي بقدرة المغرب على الإسهام في معالجة القضايا المعقدة في نظام دولي مضطرب.
وفي ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، يواصل المغرب تثبيت مكاسبه السياسية والدبلوماسية، مستنداً إلى مبادرة الحكم الذاتي التي أصبحت المرجع الوحيد الجدي والواقعي للحل، كما كرّسته قرارات مجلس الأمن. ردود فعل خصوم الوحدة الترابية، وما يرافقها من خطاب إنكاري، ليست سوى تعبير عن مأزق سياسي متفاقم، في ظل تراجع قابلية أطروحاتهم للتسويق الدولي.
المسار الديمقراطي كرافعة للاستقرار
داخلياً، يستعد المغرب لاستحقاقات ديمقراطية مفصلية، في إطار اختياره الاستراتيجي لبناء مؤسسات قوية وفعالة. هذا المسار، بما يحمله من رهانات الإصلاح والتجديد، يزعج بدوره من يراهنون على الجمود أو الفشل، لكنه يشكل في العمق أحد أهم عناصر مناعة الدولة المغربية، وقدرتها على تجديد نفسها من الداخل.
إن المغرب لا يواجه خصومه بالضجيج، بل بالفعل؛ ولا يرد على الحملات العدائية بالانفعال، بل بتعميق مساره التنموي، وترسيخ شرعيته السياسية، وتوسيع حضوره الإقليمي والدولي. قوته الأساسية تكمن في هذا التلازم بين الدولة والمجتمع، بين المؤسسة الملكية والطاقات الشعبية، وفي حركته الواثقة في اتجاه التاريخ، لا ضده.