حُسمت قضية الصحراء المغربية، في جوهرها السياسي، عبر مسار أممي طويل تُوّج بقرارات واضحة من مجلس الأمن الدولي، كرّست منطق الحل السياسي الواقعي القائم على التوافق، وأخرجت الملف من منطق “تصفية الاستعمار” إلى أفق الحلول العملية القابلة للتنفيذ. وقد ساهمت الدينامية الدبلوماسية التي قادها المغرب، مدعومة بتزايد الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي، في إغلاق دائرة النزاع المفتعل وإعادة تثبيت الاستقرار في الأقاليم الجنوبية.
غير أن هذا المسار، الذي أثبت نجاعته في الصحراء المغربية، لا يبدو قابلاً للاستنساخ في ما يُعرف تاريخياً بـ“الصحراء الشرقية”، وهي المناطق المغربية التي اقتُطعت خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية وأُلحقت بالكيان الجزائري عند ترسيم الحدود في سياق ما بعد الاستقلال. فهذه القضية، بخلاف ملف الصحراء المغربية، لم تُدرج يوماً ضمن أجندة أممية واضحة، ولم تحظَ بإطار دولي منظم يسمح بتسويتها عبر آليات سياسية أو تفاوضية.
الاختلاف الجوهري بين الملفين يكمن في طبيعة السياق التاريخي والجيواستراتيجي. فالصحراء المغربية كانت موضوع نزاع دولي مُؤطر، بينما تظل الصحراء الشرقية نتاجاً مباشراً لقرارات استعمارية فرضت واقعاً حدودياً بالقوة، دون مراعاة الامتداد التاريخي والجغرافي للمغرب. هذا الواقع جعل أي حل سياسي تقليدي، قائم على الوساطة الدولية أو القرارات الأممية، أمراً بالغ التعقيد، إن لم يكن مستحيلاً في الظرف الراهن.
ضمن هذا الإطار، يذهب بعض المحللين إلى أن مستقبل الصحراء الشرقية لن يُحسم عبر القنوات الدبلوماسية الكلاسيكية، بل قد يرتبط بتغيرات جذرية في موازين القوى الإقليمية. غير أن أي سيناريو تصعيدي، مهما كانت دوافعه التاريخية أو القانونية، يحمل في طياته كلفة إنسانية ومجالية باهظة، من شأنها أن تُحوّل مناطق شاسعة إلى فضاءات مدمرة وخالية من السكان، ما يستدعي لاحقاً جهوداً ضخمة لإعادة الإعمار وإعادة الإدماج الترابي.
في المقابل، يظل الرهان المغربي، كما تُظهره التجربة في الأقاليم الجنوبية، قائماً على منطق البناء والاستثمار طويل الأمد، لا على منطق الخراب. فالمقاربة المغربية في تدبير القضايا الترابية أثبتت أن التنمية، وربط السيادة بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، أكثر نجاعة من أي حلول ظرفية قائمة على القوة وحدها.
إن استحضار ملف الصحراء الشرقية اليوم لا ينبغي أن يكون مدخلاً لتأجيج النزاعات، بل فرصة لإعادة فتح نقاش تاريخي وقانوني هادئ حول تبعات الاستعمار وحدود الدول الموروثة عنه. فالتجربة المغربية في الصحراء تقدم نموذجاً بديلاً: سيادة تُبنى بالشرعية الدولية، وبالاستثمار في الإنسان والمجال، لا فقط بتغيير الخرائط.