لم يعد فشل مجلس الأمن في إنهاء الصراعات الدولية مجرّد إخفاق سياسي عابر، بل أصبح تعبيرًا عن أزمة بنيوية عميقة في نظام الأمن الجماعي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. فتركيبة المجلس، القائمة على توازنات جامدة وحق النقض، حوّلته إلى فضاء لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى بدل أن يكون أداة فعالة لحفظ السلم. وأي قرار يُطرح اليوم لا يُقاس بمدى خدمته للاستقرار الدولي، بل بمدى انسجامه مع مصالح دولة بعينها ومعسكرها، وهو ما عطّل القدرة الجماعية على الفعل وحوّل النزاعات إلى أزمات مزمنة.
في هذا السياق، برزت الحاجة إلى إنشاء «مجلس السلم» كاستجابة واقعية لانسداد أفق مجلس الأمن، لا كبديل عن منظومة الأمم المتحدة، بل كآلية تكاملية أكثر مرونة وقدرة على اتخاذ القرار. فالعالم لا يعاني من نقص في الشرعية القانونية، بل من عجز في الترجمة العملياتية لهذه الشرعية. ومن هنا تأتي فكرة مجلس مكوّن من دول مختلفة في مرجعياتها وتحالفاتها، لا تخضع لمنطق الهيمنة الأحادية، وقادرة على التحرك بسرعة وحزم في مواجهة النزاعات الممتدة.
إن الرهان الأساسي لهذا المجلس يتمثل في الانتقال من التعددية الخطابية إلى الفعل المنظم. فالدبلوماسية التقليدية، المثقلة بالبيانات والقرارات غير القابلة للتنفيذ، أثبتت محدوديتها أمام نزاعات هجينة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والإنسانية والمؤسساتية. ولذلك صُمّم «مجلس السلم» ليكون إطارًا موجّهًا نحو النتائج، يسعى إلى ردم الفجوة المزمنة بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني، دون الاصطدام بالشرعية الدولية أو تجاوزها.
ضمن هذا التحول، تكتسب مشاركة المغرب دلالة استراتيجية خاصة. فحضور المملكة داخل «مجلس السلم» يستند إلى رصيد دبلوماسي وقانوني ومؤسساتي متراكم، قائم على الاتساق مع مرجعيات الأمم المتحدة، والابتعاد عن الاصطفافات الجامدة، والقدرة على التواصل مع أطراف متعارضة دون فقدان المصداقية. وهو ما يجعل من المغرب فاعل توازن لا عنصر استقطاب، في بيئة دولية باتت مشبعة بالانقسام.
ولا يمكن فصل هذا الدور عن السياق الشرق أوسطي، ولا سيما ما يتعلق بقطاع غزة. فالمنطقة لم تعد في حاجة إلى مقاربات إسعافية مؤقتة، بل إلى تصور شامل لإدارة ما بعد النزاع، يجمع بين الإغاثة الإنسانية، والاستقرار الأمني، وإعادة بناء المؤسسات، والانتقال السياسي. ويأتي قرار مجلس الأمن رقم 2803 لسنة 2025 ليكرّس هذا التحول، إذ يعترف ضمنيًا بأن المعالجة المجزأة لم تعد كافية، وأن الاستقرار يتطلب آليات متكاملة ومستدامة.
في هذا الإطار، تسهم مشاركة المغرب في تحقيق توازن ضروري داخل «مجلس السلم»، بما تحمله من ضبط استراتيجي ومصداقية عملياتية. فقد أظهر المغرب، خلال فترات التوتر القصوى، قدرة عملية على إيصال المساعدات الإنسانية إلى داخل غزة، وتيسير قنوات العبور الإنساني، في وقت تعثّرت فيه أطراف كثيرة أمام التعقيدات الأمنية واللوجستية. كما يمنح الدور الذي تضطلع به المؤسسة الملكية، من خلال رئاسة لجنة القدس، بعدًا أخلاقيًا وقانونيًا يعزّز شرعية أي انخراط مغربي في هندسة السلام بالمنطقة.
وعلى نطاق أوسع، يعكس إدراج المغرب داخل «مجلس السلم» اعترافًا دوليًا بنموذج دبلوماسي يقوم على البناء بدل المناورة، وعلى الاستقرار البنيوي بدل إدارة الأزمات. ففي إفريقيا، وفي ملفات معقدة كليبيا والساحل، راكمت الرباط تجربة تقوم على ربط الأمن بالحوكمة والتنمية، وعلى معالجة جذور الهشاشة بدل الاكتفاء بالحلول الأمنية الظرفية. وهي مقاربة تنسجم مع روح المجلس الذي يسعى إلى منع عودة النزاعات بدل الاكتفاء باحتوائها.
ولا يخلو هذا المسار من تحديات حقيقية، تتعلق بخطر التسييس، وتداخل الصلاحيات مع آليات الأمم المتحدة، وعدم اليقين المرتبط بتغيّر القيادات الدولية. غير أن تجاوز هذه التحديات يظل رهينًا بترسيخ عمل «مجلس السلم» في الشرعية الدولية، وباعتماد التفويضات الواضحة والعمل الجماعي المنضبط. وهنا تبرز قيمة مشاركة المغرب كعنصر استقرار يحدّ من الانزلاق نحو التوظيف السياسي أو الاصطفاف الضيق.
في المحصلة، لا يعكس الدفاع عن إنشاء «مجلس السلم» أو عن حضور المغرب داخله مجرد خيار دبلوماسي، بل رؤية استشرافية تعتبر السلام عملية منظمة للتصميم والتنفيذ والاستدامة، لا شعارًا أخلاقيًا يُستحضر عند الأزمات. ففي نظام دولي يبحث عن أدوات جديدة بعد اهتراء آلياته التقليدية، يبرز هذا المجلس كمحاولة لإعادة تعريف الفعل السلمي، ويبرز المغرب كفاعل يراهن على الاتزان والشرعية والقدرة على الفعل، في زمن باتت فيه هذه القيم عملة نادرة.