من الاتهام إلى الإدانة الإعلامية: حين تتحوّل قرينة البراءة إلى ضحية جانبية
بوشعيب البازي
تطرح القضايا المرتبطة بادعاءات التحرش داخل بيئات العمل، خصوصًا حين تمس مسؤولين عموميين أو دبلوماسيين، إشكالًا مركزيًا يتجاوز الوقائع المعروضة أمام القضاء، ليطال حدود العدالة الإعلامية، وأخلاقيات الاتهام، ومكانة قرينة البراءة في زمن المحاكمات الرمزية. وفي هذا السياق، تبرز قضية السفير المغربي الحالي بجمهورية الموزمبيق، والقنصل العام السابق بمورسيا، سيدي محمد بيد الله، باعتبارها نموذجًا دالًا على هذا الانزلاق المقلق.
التمييز الضروري بين الحكم القضائي والإدانة الأخلاقية
من الناحية القانونية الصرفة، فإن الأحكام الصادرة عن القضاء الإسباني تندرج ضمن قانون الشغل، وتعالج علاقة مهنية محلية بين قنصلية وموظفة خاضعة للتشريع الإسباني. وهي أحكام لم تُنشئ متابعة جنائية شخصية، ولم تُفضِ إلى إدانة جزائية باسم التحرش الجنسي وفق القانون الجنائي الإسباني.
غير أن هذا التمييز الجوهري تم تجاهله في الخطاب الإعلامي، حيث جرى تحويل حكم شغلي إلى إدانة أخلاقية نهائية، وتقديم المعني بالأمر كـ“مدان” في الوعي العام، دون سند من مسطرة جنائية مكتملة الأركان. وهو ما يشكّل، من منظور قانوني وأكاديمي، مساسًا خطيرًا بمبدأ قرينة البراءة.
خطورة توظيف تهمة التحرش خارج الضوابط الصارمة
لا جدال في أن التحرش جريمة خطيرة تستوجب الحزم والحماية الصارمة للضحايا. غير أن الخطورة المقابلة تكمن في تسييل المفهوم، وتوسيعه خارج شروط الإثبات الدقيقة، وتحويله إلى أداة للضغط المهني أو للتأويل الإداري الموسّع.
فالتجارب المقارنة تُظهر أن بعض النزاعات المهنية، حين تتأزم، تُعاد صياغتها بلغة أخلاقية حادّة، تُفضي إلى إعدام مهني ومعنوي لأحد الأطراف، حتى قبل استكمال شروط التقاضي العادل. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الاتهام في حد ذاته عقوبة، بغضّ النظر عن مآل الملف قضائيًا.
السيرة المهنية في مواجهة سردية التشهير
إن المسار الدبلوماسي للسفير سيدي محمد بيد الله، الممتد لأزيد من عقدين عبر عدة عواصم دولية، لا يمكن عزله عن تقييم هذه القضية. فالرجل اشتغل في بيئات دبلوماسية مختلفة، تحت أنظمة رقابية صارمة، دون أن تُسجَّل في حقه سوابق مهنية أو مسلكية مماثلة.
ولا يُستحضر هذا المعطى كـ“دليل براءة”، بل كعنصر موضوعي يُفنّد سردية الاختزال الإعلامي التي تحاول تصوير الواقعة كحقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش، متجاهلة السياق العام للشخصية المهنية المعنية.
من نزاع شغلي إلى صراع سيادي
إن لجوء القضاء الإسباني إلى الحجز على الحساب البنكي للقنصلية، رغم كونه إجراءً قانونيًا في منطق التنفيذ الجبري، فتح نقاشًا أعمق حول حدود السيادة، والحصانة القنصلية، وتأويل الاتفاقيات الدولية. وهو نقاش قانوني مشروع، لكنه لا ينبغي أن يُستعمل كذريعة لتغذية خطاب الإدانة الشخصية أو المساس بصورة الدولة وممثليها خارج منطق المؤسسات.
وقد كان لافتًا أن تُختزل هذه الإشكالية المعقدة في بُعد أخلاقي تبسيطي، يُغذّي الإثارة الإعلامية أكثر مما يخدم الحقيقة القانونية.
الدفاع عن العدالة لا يعني إنكار الحقوق
إن الدفاع عن السفير المعني لا يعني إنكار حقوق أي طرف، ولا التقليل من خطورة التحرش حين يثبت قانونًا. بل يعني، أساسًا، الدفاع عن عدالة متوازنة، لا تُدار بالضغط الإعلامي، ولا تُصاغ بأحكام جاهزة، ولا تُختزل في ثنائية “ضحية/جلاد” قبل استنفاد كل شروط المحاكمة العادلة.
فالعدالة، إن فقدت توازنها، تتحول من آلية إنصاف إلى أداة تصفية.
إن أخطر ما في هذه القضية ليس الحكم القضائي في حد ذاته، بل المناخ الذي أُنتج حوله: مناخ يُضعف قرينة البراءة، ويُضخّم الاتهام، ويُجرّد المسؤول من حقه في الدفاع الرمزي والأخلاقي.
وفي زمن تتسارع فيه المحاكمات الإعلامية، يصبح الدفاع عن مبدأ الإنصاف ليس دفاعًا عن شخص بعينه، بل دفاعًا عن فكرة العدالة نفسها: عدالة تُدين بالأدلة، لا بالانطباعات، وتحكم بالقانون، لا بالعناوين.