حين تُنقَل الجغرافيا بالعقيدة: قراءة ساخرة في “كعبة جزائرية” بلا اتجاه قبلة

بوشعيب البازي

Screenshot

في عالمٍ يتقدّم فيه العلم بخطى متسارعة، ويُفترض فيه أن تكون المعلومة سلعة نادرة تُصاغ بعناية، تظهر بين الفينة والأخرى روايات تُذكّرنا بأن الخيال، حين يُترك بلا رقابة، قد يطالب بمقعد في الصف الأول من الوعي الجماعي.

آخر هذه الروايات التي راجت في فضاءات رقمية وبعض المنابر الهامشية تتحدث، بجدية تُثير القلق أكثر مما تُضحك، عن كعبة “مشرفة” داخل التراب الجزائري، وعن حجاج يطوفون بها بدل شدّ الرحال إلى مكة، بل وتذهب بعض السرديات أبعد من ذلك، لتقترح بلا خجل معرفي أن القرآن نزل في الجزائر، وأن غار حراء يوجد هناك، وأن زمزم “الحقيقي” بئر محلي لم يُكتشف بعد إعلامياً.

وهنا، لا يسع المراقب إلا أن يتوقف، لا ليضحك فقط، بل ليسأل:

هل نحن أمام إعادة كتابة للتاريخ الديني؟ أم أمام تمرين جماعي على الهروب من الجغرافيا؟

الدين حين يصبح مادة سيادية

المفارقة ليست في غرابة الادعاء وحده، بل في السياق الذي يُقدَّم فيه. فالدين، في هذه السرديات، لا يُقدَّم كإيمان روحي جامع، بل كـملف سيادي، قابل للنقل، وإعادة التوطين، وربما لإعادة التسمية أيضاً. مكة يمكن أن تنتقل، وغار حراء يمكن أن يُعاد تموقعه، وزمزم لمَ لا؟ قد يكون ضحية مؤامرة تاريخية طويلة أخفت “موقعه الحقيقي”.

إنها محاولة واضحة لتحويل المقدّس إلى أداة تعويض رمزي: حين تعجز السياسة عن إنتاج المعنى، يتكفّل الخيال بإنتاج الأسطورة.

التعليم أم التخييل؟

الأخطر في هذه الروايات ليس تداولها الهامشي، بل الادعاء بأنها تُدرَّس أو تُقدَّم كحقائق داخل منظومة تعليمية. هنا، ينتقل الأمر من مزحة ثقيلة إلى سؤال مؤلم:

كيف يمكن لعقلٍ تربّى على أن الجغرافيا شأن قابل للتعديل بالعاطفة، أن يتعامل لاحقاً مع العالم كما هو، لا كما يشتهيه؟

فالدين الإسلامي، في جوهره، قام على الوضوح: أماكن معروفة، نص محفوظ، وتاريخ موثّق. وأي محاولة لـ”توطينه” قسرياً داخل حدود سياسية حديثة، ليست دفاعاً عنه، بل تشويهاً له.

كوكب آخر أم مرآة مأزومة؟

السؤال الذي يردده كثيرون بشيء من السخرية: “هل يعيش هؤلاء معنا على نفس الكوكب؟” قد يبدو قاسياً، لكنه في العمق يعكس حيرة حقيقية. ليست المشكلة في شعب، ولا في إيمان الناس، بل في نظام رمزي يبدو أحياناً كأنه يعيش في عزلة فكرية، يفاوض الواقع بدل أن يفهمه.

والحقيقة المؤلمة أن هذا النوع من الخطاب لا يعزل أصحابه عن العالم فقط، بل يعزلهم أيضاً عن الدين نفسه، الذي يتحوّل من رسالة كونية إلى منتج محلي محاط بالإنكار.

لا أحد يحتاج إلى كعبة بديلة، ولا إلى زمزم موازية، ولا إلى غار حراء مستنسخ. ما يحتاجه العالم العربي اليوم في الجزائر كما في غيرها هو عقل ديني مطمئن، لا يخاف من التاريخ، ولا يحاول إعادة رسم الخريطة كلما ضاق به الواقع.

أما الكعبة، فباقية حيث كانت دائماً.

والحج، ما زال يحتاج إلى سفر… لا إلى خيال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com