ليست المرة الأولى التي يجد فيها المغاربة أنفسهم أمام مفارقة صادمة: دولة حاضرة بأجهزتها، غائبة بحكومتها. حدث ذلك في زلزال الحوز، ويتكرر اليوم في فيضانات القصر الكبير، حيث بدا المشهد واضحًا إلى حد لا يقبل التأويل: حين حاصرت المياه المدينة والقرى المجاورة، لم يجد المواطنون إلى جانبهم سوى ما يُسمى، في الخطاب العام، بـ“المخزن”.
وليس المقصود هنا المعنى القدحي الذي يروّج له إعلام معادٍ للمغرب، دأب على اختزال الدولة المغربية في صورة كاريكاتورية، بل المقصود هو الدولة في معناها العملي: الجيش، والأمن الوطني، والدرك الملكي، والوقاية المدنية، وأطقم الإسعاف، ومصالح التجهيز والماء والكهرباء، إلى جانب السلطات المحلية وعلى رأسها عامل الإقليم. هؤلاء كانوا في الميدان، ليلًا ونهارًا، ينفذون توجيهات رأس الدولة، الملك محمد السادس، التي تضع حماية الأرواح فوق كل اعتبار.
في المقابل، كان الغياب الحكومي لافتًا. لا رئيس الحكومة ظهر، ولا ناطق رسمي تواصل، ولا أحزاب الأغلبية الثلاثة خرجت عن صمتها، وكأن ما يحدث في القصر الكبير شأن محلي هامشي، لا يرقى إلى مستوى الحدث الوطني. انكفأت الحكومة على ذاتها، وأدارت ظهرها لمواطنين كانوا في أمسّ الحاجة إلى خطاب الطمأنة، والمعلومة الدقيقة، والدعم المعنوي، قبل أي وعود تقنية أو برامج مؤجلة.
ما جرى في القصر الكبير أكد، مرة أخرى، أن “المخزن” ـ بمعناه المؤسساتي ـ هو من ظل مرابطًا في الصفوف الأولى: يؤمّن عمليات الإجلاء، ينظم مراكز الإيواء، يوفر النقل، الغذاء، والمأوى، ويُدير الأزمة بقدر عالٍ من الانضباط والصرامة. مشاهد آلاف المواطنين وهم يغادرون منازلهم دون فوضى أو احتكاك، في ظروف نفسية بالغة القسوة، لا يمكن تفسيرها إلا بوجود إدارة ميدانية قوية، تعرف كيف تتحكم في اللحظة الحرجة.
لسنا هنا بصدد تمجيد أو تزيين صورة الدولة، بل توصيف واقع عاينه الجميع. واقع يطرح سؤالًا سياسيًا حادًا: ما جدوى حكومة لا تُرى ولا تُسمع حين تقع الكوارث؟ وما معنى المسؤولية السياسية إذا اختزلت في التدبير اليومي الروتيني، وغياب كامل عند الامتحان الحقيقي؟
التنمية بإيقاع بطيء… إلى أن تقع الكارثة
من حين لآخر، تبث القنوات الرسمية روبورتاجات عن مناطق جبلية أو قروية، سبق أن عرفت كوارث طبيعية أو احتجاجات اجتماعية. لكن هذه المواد الإعلامية تركز غالبًا على جاذبية تلك المناطق سياحيًا، متجنبة الخوض في جوهر الإشكال: أين وصلت مشاريع التنمية؟ وهل تحققت وعود فك العزلة؟ وهل تمت الاستجابة لمطالب السكان في الصحة والتعليم والبنيات التحتية؟
أيت بوكماز، الحوز، تارودانت، آسفي، القصر الكبير، سيدي قاسم… أسماء تتكرر في نشرات الأخبار عند الأزمات، ثم تعود إلى الهامش بعد انقضائها. وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤال العدالة المجالية، ويُحيي، بشكل غير معلن، تلك المقولة الاستعمارية البغيضة: “المغرب النافع والمغرب غير النافع”.
هل قدر هذه المناطق أن تنتظر الزلزال أو الفيضان حتى تلتفت إليها الدولة والإعلام؟ أم أن التنمية ستظل تسير بإيقاع السلحفاة، بينما الكوارث تسبقها بخطوات؟
التطبيع… حين يصبح التلفزيون أداة ناعمة
في سياق موازٍ، لا يمكن تجاهل ما تبثه بعض القنوات من برامج وثائقية تُدرج، بشكل متعمد، المكوّن اليهودي في تاريخ مناطق مغربية معينة، خاصة في المناطق الأمازيغية. لا خلاف في أن اليهودية مكوّن أصيل من مكونات الهوية المغربية، وأن دستور المملكة حسم هذا النقاش. كما لا يجوز الخلط بين اليهودية كديانة، والصهيونية كمشروع استعماري.
غير أن الإشكال يكمن في التوظيف الإعلامي الانتقائي لهذا المعطى، في سياق تطبيعي واضح، يتجاهل السؤال الجوهري: لماذا غادر معظم هؤلاء اليهود المغرب؟ وأين انتهى بهم المطاف؟ وكيف تحوّل كثير منهم إلى جزء من كيان يحتل أرضًا، ويقمع شعبًا، ويخوض حرب إبادة ضد الفلسطينيين؟
الأخطر من ذلك، هو السعي إلى ربط قسري بين الأمازيغية والتطبيع، عبر سرديات ثقافية مُعلبة، تتقاطع مع خطاب سياسي رسمي يسعى إلى جعل التطبيع “أمرًا عاديًا”، بل ومقبولًا وجدانيًا.
والحال أن التاريخ المغربي يشهد بأن يهودًا مغاربة كبارًا وقفوا ضد الصهيونية، ودافعوا عن فلسطين، وارتبطوا بالمغرب حتى آخر رمق، من أمثال أبراهام السرفاتي، وإدمون عمران المالح، وشمعون ليفي، وسيدون أسيدون. هؤلاء لم يروا في التطبيع قدرًا، بل خيانة للقيم الإنسانية.
ما وقع في القصر الكبير ليس مجرد فيضانات، بل اختبار جديد لعلاقة الدولة بالمجتمع، ولحدود الفعل الحكومي. “المخزن” كان حاضرًا بقوة، بينما الحكومة اختارت الغياب. وبين الحضور الأمني والغياب السياسي، يظل المواطن هو من يدفع الثمن، وينتظر، مرة أخرى، أن تتحول الكوارث إلى لحظة وعي، لا إلى مجرد خبر عابر في نشرة المساء.