على إيقاع شبه صامت، لكنه مثقل بالرسائل الاستراتيجية، عادت الحدود الشرقية للمملكة المغربية لتطفو على سطح التوتر الإقليمي، عقب تحركات عسكرية جزائرية بالقرب من واحة إيش بإقليم فكيك؛ وهي منطقة لا تختزل في بعدها الجغرافي فقط، بل تختزن ذاكرة سيادية مثقلة بصراعات مؤجلة وحساسيات لم تُطوَ صفحاتها بعد. ومن موقعي كصحفي متابع لهذا الملف منذ سنوات، لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن السياق البنيوي الذي يحكم العلاقات المغربية-الجزائرية، ولا عن منطق الاستفزاز المدروس الذي بات يشكل إحدى أدوات إدارة الأزمة لدى النظام الجزائري.
لقد حمّلت مصادر أمنية مغربية الجزائر مسؤولية هذا الحادث، مؤكدة أن ما جرى يشكل خرقًا واضحًا لمعاهدة ترسيم الحدود لسنة 1972، ومحاولة مكشوفة لجرّ المغرب نحو مربع المواجهة. وفي تقديري، فإن هذا المعطى يعكس استمرار الجزائر في توظيف الورقة الحدودية كآلية للهروب إلى الأمام، كلما اشتدت عليها الضغوط الداخلية وتعقدت رهاناتها الإقليمية.
رسائل القوة وحدود المناورة
من زاوية التحليل الاستراتيجي، يذهب الباحث هشام معتضد إلى أن التحرك الجزائري الأخير لا يندرج في إطار مناورة روتينية، بل يعكس عقلًا عسكريًا يسعى إلى إرسال رسائل متعددة المستويات، سياسية وتكتيكية ونفسية. غير أن ما يلفت الانتباه، في هذا السياق، هو أن الجزائر تواصل الاستثمار في منطق استعراض القوة، في وقت تتغير فيه قواعد الردع الإقليمي، ولم تعد التحركات التقليدية كافية لفرض وقائع دائمة على الأرض.
وبرأيي، فإن الرهان الجزائري على عنصر المفاجأة والضغط النفسي يظل محدود الفعالية أمام دولة راكمت تجربة طويلة في إدارة التوترات الحدودية، ونجحت في بناء عقيدة دفاعية مرنة، قائمة على الجمع بين اليقظة الميدانية والحساب السياسي البارد. فرفع درجة التأهب من طرف القوات المسلحة الملكية لا يعكس نزوعًا نحو التصعيد، بقدر ما يجسد فهمًا عميقًا لمفهوم الدفاع الاستباقي، الذي يقوم على منع الخصم من فرض إيقاعه، دون الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة.
فكيك… ذاكرة النزاع ومفترق الرسائل
ويكتسي إقليم فكيك، وواحة إيش على وجه الخصوص، حساسية مضاعفة، باعتبارهما مجالًا تختلط فيه الجغرافيا بالتاريخ، وتتشابك فيه الاعتبارات القانونية بالرمزية الوطنية. فهذه المنطقة ليست مجرد خط حدودي، بل شاهد حي على محطات مفصلية، من حرب الرمال سنة 1963 إلى أزمة العرجة سنة 2021، ما يجعل أي تحرك عسكري فيها بمثابة رسالة مباشرة تمس صميم الوجدان المغربي.
ومن وجهة نظري، فإن الجزائر تدرك جيدًا أن اللعب على هذا الوتر قد يثير ردود فعل قوية، لكنها تراهن، مرة أخرى، على سياسة الأمر الواقع، ومحاولة تثبيت الحدود بمنطق القوة، في مواجهة نقاشات تاريخية وقانونية متجددة حول ما يُعرف بـ«الصحراء الشرقية». غير أن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أساسية، مفادها أن المغرب لم يعد يتعامل مع ملف حدوده بمنطق رد الفعل، بل ضمن رؤية استراتيجية طويلة النفس.
الهروب إلى الخارج كخيار داخلي
لا يمكن، في هذا السياق، إغفال الخلفية الداخلية التي تحكم سلوك النظام الجزائري. فكما يوضح القسمي، فإن افتعال توتر مع المغرب يظل، بالنسبة للمؤسسة العسكرية الجزائرية، وسيلة كلاسيكية لإعادة ترتيب الداخل، وشدّ العصب الوطني، وتوجيه الأنظار بعيدًا عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية التي تتخبط فيها البلاد. ومن خلال متابعتي للمشهد الجزائري، أرى أن هذا المنطق، وإن نجح مرحليًا في تعبئة الداخل، فإنه يراكم عزلة إقليمية متزايدة، ويقوض فرص بناء مغرب عربي متماسك.
بين الحزم وضبط النفس
لقد أقدمت عناصر تابعة للجيش الجزائري على اقتحام منطقة إيش، في محاولة لترسيم الحدود عبر وسائل ميدانية بدائية، وهو تصرف لا يمكن وصفه إلا بكونه استفزازًا مباشرًا للسيادة المغربية. وقد جاء الرد المغربي حازمًا في الميدان، لكنه متزن سياسيًا، حيث تم منع التوغل دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في انسجام تام مع الخطاب المغربي القائم على تغليب منطق العقل والحوار.
وفي تقديري، فإن هذا التوازن بين الحزم وضبط النفس يشكل إحدى نقاط القوة في المقاربة المغربية؛ إذ يبعث برسالة واضحة مفادها أن السيادة الترابية خط أحمر غير قابل للتفاوض، وفي الوقت ذاته يؤكد أن المغرب لا يسعى إلى الحرب، ولا يرى في الجزائر عدوًا، بل جارًا تجمعه به روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.
إن ما جرى في واحة إيش ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسلسل توتر مزمن، تُغذيه حسابات داخلية جزائرية أكثر مما تحكمه ضرورات أمنية حقيقية. وبينما تواصل الجزائر اختبار صبر المغرب عبر تحركات محسوبة، يراهن هذا الأخير على استراتيجية تجمع بين الردع الهادئ، والجاهزية العسكرية، والحكمة السياسية؛ وهي معادلة قد لا تُرضي دعاة التصعيد، لكنها وحدها الكفيلة بالحفاظ على الاستقرار، دون التفريط في السيادة.