التحركات الجزائرية قرب المنطقة الشرقية للمغرب: قراءة في الدوافع والسياقات الاستراتيجية

بوشعيب البازي

Screenshot

تشهد المناطق القريبة من واحات قصر إيشي بالمنطقة الشرقية للمملكة المغربية تطورات ميدانية لافتة، أعادت إلى الواجهة إشكالية الحدود المغربية-الجزائرية وسياقات التوتر المزمن بين البلدين. فالأحداث الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها وقائع معزولة أو ردود فعل ظرفية، بل تندرج ضمن منطق تصعيد محسوب يعكس تحولات أعمق في العقيدة الأمنية والسياسية للجزائر تجاه جارها الغربي.

تشير المعطيات المتوفرة إلى أن ما جرى يمثل سلوكًا استفزازيًا عالي المخاطر، يهدف بالأساس إلى دفع المغرب إلى رد فعل مباشر قد يفتح الباب أمام احتكاك عسكري، ولو محدود. فمنذ قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، عملت الجزائر على عسكرة مناطق الاحتكاك الحدودي بين الشرق المغربي والغرب الجزائري، عبر توجيه اتهامات متكررة لمواطنين مغاربة، بل وتسجيل حالات إطلاق نار في محيط هذه المناطق، في محاولة واضحة لفرض أمر واقع أمني جديد.

فرض مقاربة أحادية للحدود

أحد التفسيرات المركزية لهذا السلوك يتمثل في سعي الجزائر إلى فرض رؤيتها الخاصة للحدود دون اللجوء إلى أي مسار تفاوضي، رغم أن هذه الحدود، من منظور القانون الدولي والتاريخ السياسي، لم تُرسم بشكل نهائي وتوافقي بين الدولتين. ويعكس هذا النهج محاولة لخلق فضاء ميداني قابل للاشتباك، مستندة إلى الوجود العسكري المكثف، وإلى تحركات رمزية كإطلاق النار في الهواء أو قرب المدنيين، بما يحول المجال الحدودي من نطاق مدني إلى مجال أمني صرف.

اختبار رد الفعل المغربي ومنطق الاستباق

يرتبط هذا التصعيد، في بعده الثاني، بمنطق اختبار رد الفعل المغربي، في أفق إمكانية القيام بخطوة استباقية إذا ما اقتضت الحسابات العسكرية والسياسية ذلك. فالتحركات الجزائرية توحي برغبة في قياس سقف الرد المغربي، وحدود ضبط النفس، خاصة في ظل إدراك الجزائر لتفوق المغرب دبلوماسيًا وعسكريًا، وتنامي قدرته على تدبير الأزمات الحدودية بوسائل متعددة المستويات.

الارتباط العضوي بملف الصحراء المغربية

لا يمكن فصل هذه الاستفزازات عن سياق تطورات ملف الصحراء المغربية. فكلما تدهورت وضعية جبهة البوليساريو ميدانيًا وسياسيًا، تزايدت التحركات الجزائرية قرب المنطقة الشرقية. وهو نمط يعود إلى عقيدة عسكرية قديمة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين كان يُنظر إلى الضغط على الحدود الشرقية كوسيلة لمواجهة تعزيز المغرب لمنظومته الدفاعية في الصحراء.

غار جبيلات، الصحراء الشرقية، واتفاقية 1972

يتقاطع هذا السلوك أيضًا مع ملف غار جبيلات والصحراء الشرقية، وما يرتبط بهما من حساسيات تاريخية وقانونية، خصوصًا اتفاقية 1972 المتعلقة بترسيم الحدود. فالتصعيد الميداني يبدو، في أحد أبعاده، محاولة لتفادي أي نقاش محتمل حول هذه الملفات، خشية أن يؤدي فتحها إلى إعادة طرح شرعية الاتفاقيات السابقة أو إسقاطها سياسيًا وقانونيًا.

رهان التصعيد القصير وضغوط الداخل

في مستوى أعمق، يراهن النظام الجزائري، وفق هذا التحليل، على سيناريو تصعيد محدود أو حرب قصيرة الأمد، قد تدفع المجتمع الدولي إلى التدخل والضغط من أجل فرض مفاوضات ثنائية. غير أن هذا الرهان يعكس في الوقت ذاته وضعية داخلية حرجة تعيشها الجزائر، حيث تراجعت أوراقها الإقليمية، وتزايدت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ما يجعل خيار التوتر الخارجي أداة كلاسيكية لإعادة إنتاج التماسك الداخلي.

تُظهر التطورات الأخيرة أن مؤشر التوتر العسكري بين المغرب والجزائر بلغ مستوى مقلقًا، ليس بفعل دينامية مغربية تصعيدية، بل نتيجة سلوك جزائري يسعى إلى تعويض العزلة الدبلوماسية والارتباك الداخلي عبر نقل الأزمة إلى المجال الحدودي. غير أن هذا النهج، وإن بدا تكتيكيًا على المدى القصير، يحمل في طياته مخاطر استراتيجية جسيمة، قد تخرج عن السيطرة في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وتحديات جيوسياسية معقدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com