الفيضانات والاحتجاجات في الجزائر: قراءة أكاديمية في فشل الحوكمة وأزمة “الجزائر الجديدة”

بوشعيب البازي

تشهد الجزائر منذ أسابيع وضعاً اجتماعياً وإنسانياً مقلقاً، بفعل فيضانات متكررة أودت بحياة مواطنين وخلفت دماراً واسعاً في البنية التحتية، خاصة في ولايات الغرب الجزائري. غير أن الكارثة الطبيعية، في حد ذاتها، لم تكن سوى كاشف لأزمة أعمق تتعلق بضعف الحوكمة، وغياب الاستجابة العمومية، وتآكل الثقة بين المواطن والدولة. وقد شكّلت الاحتجاجات التي عرفتها مدينة غليزان نموذجاً دالاً على هذا الاحتقان المتراكم، وعلى التناقض الصارخ بين خطاب “الجزائر الجديدة” والممارسة السياسية الفعلية.

غليزان: من كارثة طبيعية إلى أزمة سياسية

تقع مدينة غليزان، عاصمة الولاية التي تحمل الاسم نفسه، في الشمال الغربي للجزائر، على بعد نحو 285 كيلومتراً من العاصمة. وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت المدينة إلى فضاء منكوب بفعل الفيضانات التي دمّرت طرقاً ومنشآت حيوية، وأدت إلى تعطيل شبكات الكهرباء والتطهير، وخلقت وضعاً من العزلة شبه الكاملة لعدد من الأحياء والبلديات التابعة للولاية.

في هذا السياق، خرج آلاف المواطنين، القادمين من مختلف بلديات الولاية الـ38، في احتجاجات واسعة النطاق، رافعين شعاراً لافتاً: «هذه هي الجزائر الجديدة»، في إشارة ساخرة إلى المشروع السياسي الذي يروج له الرئيس عبد المجيد تبون. وقد عبّر المحتجون عن غضبهم من غياب التدخل السريع، وتوقف التموين بالمواد الأساسية، من ماء صالح للشرب، وكهرباء، ووقود، ومواد غذائية أساسية، معتبرين أن ما يعيشونه يعكس فشلاً بنيوياً في تدبير الأزمات.

غياب الاستجابة العمومية ومحدودية الفعل الحكومي

من منظور تحليلي، تُظهر حالة غليزان ضعف منظومة التدخل العمومي في مواجهة الكوارث الطبيعية. فباستثناء تصريحات محدودة لوالي الولاية، وزيارة وُصفت بالـ«الخاطفة» لوزير الداخلية سعيد سايود قبل أسبوعين، لم تُسجَّل إجراءات ملموسة ذات أثر مباشر على حياة السكان.

وقد رافقت هذه الزيارات سلسلة من الوعود المؤجلة، قُدِّمت — بحسب تصريحات رسمية — “بتعليمات من الرئيس”، دون أن تترجم إلى خطط استعجالية واضحة أو إلى تعبئة فعلية للموارد. هذا الفراغ التنفيذي عزز شعور السكان بالتخلي، ورسّخ الانطباع بأن الخطاب السياسي الرسمي منفصل عن الواقع الميداني.

الاحتجاج الاجتماعي بين المشروعية والقمع

تداولت منصات التواصل الاجتماعي عشرات المقاطع المصورة التي توثق حجم الاحتجاجات وحدّة الغضب الشعبي في غليزان، كما توثق المطالب الأساسية للمحتجين، والتي يمكن تصنيفها ضمن الحقوق الاجتماعية الأولية: السكن الآمن، إعادة الخدمات العمومية، وتأمين شروط العيش الكريم.

غير أن رد فعل السلطة اتسم، وفق شهادات متعددة، بنهج أمني صارم، تمثل في نشر مكثف لقوات الأمن وتفريق الاحتجاجات بالقوة. ويُفهم هذا السلوك، في التحليل السياسي، كرسالة ردعية موجهة ليس فقط إلى سكان غليزان، بل إلى باقي المدن الجزائرية التي تعيش ظروفاً مشابهة منذ سنوات، في ظل تدهور مستمر لمؤشرات المعيشة وغياب آليات فعالة للحماية الاجتماعية.

الإعلام الرسمي وصناعة الإلهاء

في مقابل هذا الواقع الداخلي المأزوم، يلاحظ متابعون أن وسائل الإعلام العمومية الجزائرية، ومعها منصات موالية للسلطة، تركز بشكل مكثف على خطاب عدائي تجاه المغرب، عبر ترويج أخبار مضللة أو سرديات سياسية موجهة. ويُقرأ هذا التوجه، في الأدبيات الأكاديمية، ضمن ما يُعرف بـاستراتيجية الإلهاء الخارجي، التي تلجأ إليها بعض الأنظمة لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية، بدل الانخراط في إصلاحات هيكلية حقيقية.

ويبرز التناقض بوضوح حين تُقارن هذه الحملات الإعلامية بتعامل دول الجوار مع الفيضانات، حيث يُنظر إلى التجارب الاستباقية والوقائية كدروس قابلة للاستلهام، لا كمصدر لعقدة سياسية أو صراع دعائي.

تكشف أحداث غليزان أن أزمة الجزائر اليوم لا تقتصر على تداعيات كوارث طبيعية، بل تمتد إلى أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والدولة، وإلى اختلالات بنيوية في آليات التدبير، والاستجابة، والتواصل السياسي. فـ“الجزائر الجديدة”، كما يراها المحتجون، لم تغيّر من واقع التهميش، ولا من منطق القمع، ولا من ضعف السياسات العمومية في مواجهة الطوارئ.

ومن منظور أكاديمي، فإن استمرار هذا النهج لا ينذر فقط بتكرار الاحتجاجات، بل يطرح أسئلة جوهرية حول قابلية النموذج السياسي القائم للاستمرار، في ظل مجتمع يزداد وعياً بحقوقه، وأزمات تتطلب أكثر من مجرد شعارات أو وعود ظرفية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com