أزمة المفاهيم في الخطاب السياسي المعاصر

حنان الفاتحي

Screenshot

حين يختار رئيس دولة استعمال مصطلح “الدويلة” لوصف كيان سياسي آخر، فإن المسألة تتجاوز حدود السجال اللفظي لتطرح إشكالًا أعمق يتعلق بأزمة المفاهيم في الخطاب السياسي المعاصر. فالمفاهيم في العلوم السياسية ليست أدوات للتجريح أو التحقير، بل صيغ تحليلية تُستخدم لتوصيف أنماط الحكم ودرجات الفاعلية والاندماج في النظام الدولي. وعليه، فإن أي توصيف خارج هذا الإطار العلمي يفقد قيمته المعرفية ويتحول إلى مجرد خطاب تعبوي موجّه للاستهلاك الداخلي، غالبًا ما يُستدعى في لحظات الإرباك أو الفشل الاستراتيجي.

تحول معيار الدولة في الفكر الجيوستراتيجي

لقد شهد الفكر الجيوستراتيجي خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في طريقة تقييم الدول. فلم تعد المساحة الجغرافية، ولا عدد السكان، ولا حتى وفرة الموارد الطبيعية، تشكّل المعايير الحاسمة في قياس قوة الدول. المعيار الأساسي اليوم هو قدرة الدولة على أداء وظائفها الحيوية: ضمان الأمن الاقتصادي، توفير الخدمات الأساسية، بناء بنية تحتية متطورة، وتحقيق اندماج فعلي في سلاسل الإنتاج والتبادل العالمية. الدولة، بهذا المعنى، لم تعد كيانًا ترابيًا بقدر ما أصبحت منظومة أداء وحكامة.

الدولة الوظيفية كفاعل دولي مؤثر

في هذا السياق، تبرز بعض الدول ذات المساحات المحدودة كأمثلة واضحة على ما يمكن تسميته “الدولة الوظيفية عالية الكفاءة”. فهي دول استطاعت، عبر التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري، أن تتحول إلى عقد مركزية في الاقتصاد العالمي. مطاراتها منصات عبور دولية، شركاتها الجوية تنافس القارات، واقتصاداتها تتسم بانسيابية السوق وغياب مظاهر الندرة التقليدية. والأهم من ذلك أن شبابها لا يتموضع في ثقافة الانتظار أو الهجرة، بل في منطق المبادرة والمشاريع والابتكار، ما يعكس ثقة بنيوية في المستقبل.

مفارقة الدولة الريعية ذات الجغرافيا الثقيلة

في المقابل، تكشف بعض الدول التي تملك مساحات شاسعة وثروات طبيعية ضخمة عن مفارقة جيوسياسية كلاسيكية: وفرة الموارد مقرونة بعجز مؤسساتي مزمن. فالجغرافيا، بدل أن تكون مصدر قوة، تتحول إلى عبء إداري ولوجستي، والثروة الطبيعية تصبح عامل تخدير سياسي لا رافعة تنموية. تظهر هذه المفارقة في طوابير استهلاكية ممتدة، أزمات تموين دورية، هشاشة عمرانية تنكشف مع أول اختبار مناخي، ورأسمال بشري شاب يرى في الهجرة غير النظامية خيارًا عقلانيًا مقارنة بواقع اقتصادي مغلق ومفتقر للأفق.

الخطاب التصعيدي كبديل عن السياسات العمومية

حين تفشل الدولة في تحويل مواردها إلى إنجازات ملموسة، غالبًا ما تلجأ إلى تعويض هذا الفشل بخطاب سياسي تصعيدي. يتم تضخيم العداء الخارجي، وتكثيف البيانات النارية، وافتعال الأزمات الدبلوماسية، بهدف إعادة توجيه الانتباه الشعبي بعيدًا عن الاختلالات الداخلية. غير أن هذا النمط من السلوك، في التحليل الجيوستراتيجي، يُعد مؤشر ضعف لا دليل قوة، لأنه يعكس عجز الدولة عن إنتاج الشرعية عبر الأداء، فلجأت إلى إنتاجها عبر الخصومة.

إعادة تعريف القوة والسيادة في عالم متغير

في عالم يتسم بالتشابك الاقتصادي والتكنولوجي، لم تعد السيادة مفهومًا صلبًا يُقاس بحدة الخطاب أو برفع الشعارات، بل بقدرة الدولة على التكيّف، والتخطيط الاستباقي، وإدارة الأزمات بأقل كلفة اجتماعية ممكنة. القوة الحقيقية اليوم هي تلك التي تُمارَس بصمت: في جودة النقل، وانسيابية الأسواق، واستقرار المدن، وكرامة المواطن في حياته اليومية. أما الدول التي تختزل السيادة في اللغة العدائية، فإنها غالبًا ما تعلن، دون أن تدري، عن مأزقها البنيوي.

ليست الدولة من تملك خريطة أوسع، ولا من ترفع صوتها أعلى، بل من تنجح في جعل العيش داخل حدودها أكثر انتظامًا وأقل ازدحامًا بالأزمات والطوابير. أما مصطلح “الدويلة”، فحين يُستخدم خارج سياقه العلمي، لا يصف الآخر بقدر ما يكشف حدود الرؤية الاستراتيجية لمن يستعمله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com