لم تعد مفاوضات الصحراء المغربية تُدار بمنطق كسب الوقت أو تدوير الأزمة. الجولة التي تحتضنها مدريد، الأحد، تشكل مؤشرًا واضحًا على انتقال هذا الملف من مرحلة “الاحتواء الدبلوماسي” إلى مرحلة “الحسم السياسي المنظَّم”، تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة، وفي ظل إعادة ضبط شاملة لموازين الشرعية الدولية في المنطقة.
انعقاد هذه المحادثات داخل مقر السفارة الأميركية في مدريد ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات: واشنطن لم تعد تكتفي بدعم مبادرة الحكم الذاتي، بل قررت الإمساك بمفاتيح المسار التفاوضي، وتوجيهه نحو مخرجات قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن مناورات الخطاب والاصطفافات التقليدية.
تحول في موقع الولايات المتحدة: من داعم إلى مُهندس حل
منذ اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، دخل الملف الصحراوي مرحلة جديدة. القرار لم يكتفِ بتجديد المرجعيات السابقة، بل أسّس عمليًا لإطار سياسي مغلق: حل واقعي، تفاوضي، قائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ما تغيّر بعد ذلك هو طريقة تنزيل هذا الإطار.
الولايات المتحدة، التي كانت تمارس دور الضامن السياسي، انتقلت إلى موقع الوسيط التنفيذي. هذا التحول يعكس قناعة أميركية متزايدة بأن استمرار النزاع لم يعد ملفًا “مغاربيًا” معزولًا، بل عامل تهديد محتمل لأمن الساحل، ومسار المبادرات الاستراتيجية الكبرى في أفريقيا، من الربط الطاقي إلى الممرات التجارية العابرة للصحراء.
المغرب: عرض سياسي بأبعاد أمنية وتنموية
يدخل المغرب مفاوضات مدريد وهو في موقع قوة هادئة. ليس فقط بسبب الدعم الأميركي والأوروبي المتزايد، بل لأنه يطرح اليوم تصورًا متكاملًا، لا يقتصر على تسوية سياسية، بل يؤسس لنموذج حكامة إقليمية في منطقة شديدة الحساسية.
النسخة المُحيّنة من مقترح الحكم الذاتي، التي تتجاوز أربعين صفحة، لا تُقدَّم كورقة تفاوضية ظرفية، بل كمخطط عملي لإدارة الإقليم: مؤسسات منتخبة، صلاحيات تنفيذية واضحة، موارد مالية مهيكلة، وربط عضوي بين التنمية المحلية والاستقرار الأمني. بهذا المعنى، يُعاد تعريف الصحراء لا كملف نزاع، بل كرافعة استقرار إقليمي.
الجزائر وبوليساريو: نهاية هامش المناورة
مشاركة الجزائر في هذه الجولة، إلى جانب جبهة بوليساريو، تعكس إدراكًا متأخرًا لتحول البيئة الدولية. فالهامش الذي كان يسمح بالمناورة الخطابية، أو بإدامة وضع “اللاحرب واللاسلم”، يتقلص بشكل متسارع.
التحركات الأميركية الأخيرة، من زيارة مسعد بولس إلى الجزائر ثم الرباط، إلى استقبال وفد بوليساريو في واشنطن، حملت رسائل واضحة: لا عودة إلى النقاشات المؤجلة، ولا إعادة فتح خيارات تجاوزه الزمن. المفاوضات المقبلة لم تعد حول “مبدأ الحل”، بل حول شروط تنزيله.
في هذا السياق، تبدو الأطروحة الانفصالية وقد استنفدت رصيدها الدولي، بينما تواجه الجزائر معادلة دقيقة: إما الانخراط العملي في مسار التسوية، أو تحمّل كلفة سياسية ودبلوماسية متزايدة في بيئة دولية أقل تسامحًا مع النزاعات المجمدة.
سؤال التمثيلية الصحراوية: اختبار الاستدامة
بروز دعوات من حركات صحراوية، مثل “صحراويون من أجل السلام”، لتوسيع قاعدة التمثيل، يكشف عن تحول آخر لا يقل أهمية: داخل المجتمع الصحراوي نفسه. فاحتكار التمثيل لم يعد مسلَّمًا به، والبحث عن نماذج تعددية أصبح شرطًا لمنح أي حل شرعية اجتماعية طويلة الأمد.
هذا المعطى يضع مسار الحكم الذاتي أمام اختبار حقيقي: ليس فقط كحل سياسي، بل كنموذج قابل للحياة، يحتاج إلى فاعلين محليين قادرين على تجسيده، وحمل كلفته، والدفاع عنه في الممارسة اليومية.
من منطق الأزمة إلى منطق التسوية
محادثات مدريد لا تُختزل في اجتماع دبلوماسي جديد، بل تمثل انتقالًا نوعيًا في إدارة أحد أقدم النزاعات الإقليمية. الفرق الجوهري هذه المرة أن قواعد اللعبة باتت أوضح، وهوامش التأجيل أضيق، والفاعل الدولي الرئيسي قرر الاستثمار بثقله السياسي.
إذا استمرت هذه الدينامية، فإن ملف الصحراء المغربية يقترب من لحظة مفصلية، قد لا تعني الحل الفوري، لكنها تؤسس لمسار لا رجعة فيه: مسار إنهاء النزاع، لا تدويره، وإعادة ترتيب التوازنات في فضاء مغاربي وساحلي لم يعد يحتمل صراعات بلا أفق.