اختُتمت جولة المشاورات التي احتضنتها السفارة الأميركية بمدريد حول نزاع الصحراء المغربية دون بيان ختامي، في مؤشر دبلوماسي نادر الدلالة، يعكس حجم الإرباك الذي طبع مواقف بعض الأطراف المشاركة. فغياب الخلاصة الرسمية لم يكن نتيجة خلاف إجرائي، بقدر ما كان نتاجًا مباشرًا لانكشاف معطى مركزي ظل لعقود محل إنكار سياسي: الجزائر طرف رئيسي وبنيوي في النزاع، وليس مجرد “دولة مجاورة” كما درج الخطاب الرسمي الجزائري على ترويجه.
الوساطة الأميركية واختبار الواقعية السياسية
جاء اجتماع مدريد في سياق تحرك أميركي متدرج يهدف إلى كسر الجمود المزمن الذي طبع الملف، خصوصًا بعد تثبيت واشنطن موقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الواقعي الوحيد القابل للتنزيل. ترؤس الاجتماع من طرف مستشار بارز للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أضفى على اللقاء طابعًا استراتيجيًا يتجاوز منطق المجاملات الدبلوماسية، ويعكس رغبة أميركية واضحة في الانتقال من إدارة الأزمة إلى فرض منطق الحل.
مشاركة متعددة… وأوزان غير متكافئة
ضمّ اللقاء ممثلين عن المغرب، الجزائر، موريتانيا، وتنظيم البوليساريو، إلى جانب وفد أميركي رفيع المستوى، وبحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا. غير أن دينامية النقاش كشفت سريعًا عن تفاوت حاد في مستوى الجاهزية السياسية والتقنية بين الأطراف. ففي حين حضر المغرب بوثيقة مفصلة ومُحدّثة لمبادرة الحكم الذاتي تمتد لنحو أربعين صفحة، تعكس تطور الرؤية المغربية واستيعابها لمتطلبات الحكامة الترابية، دخل الطرفان الجزائري والبوليساريو الاجتماع دون أي مقترحات بديلة قابلة للنقاش.

صمت البوليساريو… ودلالة القرار الخارجي
وفق مصادر مطلعة، اختار ممثل البوليساريو التزام صمت شبه كامل خلال النقاشات، مترقبًا ما سيصدر عن وزير الخارجية الجزائري، في سلوك يعكس بوضوح حدود استقلالية القرار داخل التنظيم. هذا الصمت لم يكن تكتيكًا تفاوضيًا بقدر ما كان إقرارًا غير مباشر بأن هامش الحركة السياسية للبوليساريو يظل مرتهنًا بالموقف الجزائري، وهو ما عزز قناعة الوفد الأميركي بأن مركز القرار الحقيقي يوجد خارج مخيمات تندوف.
الجزائر تحت مجهر الفاعلين الدوليين
أحد أبرز مخرجات اجتماع مدريد، رغم غياب بيان رسمي، يتمثل في انتقال الجزائر من موقع “الداعم” إلى موقع “الطرف المعني مباشرة” في نظر الوساطة الأميركية. فالتشبث الجزائري بخطاب عام حول “تقرير المصير” دون تقديم أي تصور عملي، بدا في نظر المراقبين محاولة لإدامة النزاع لا حله، خصوصًا في ظل تصاعد الضغوط الدولية الرامية إلى حصر الحل في إطار السيادة المغربية مع ضمانات موسعة للحكم الذاتي.
فشل البيان… رسالة سياسية بحد ذاتها
إخفاق الاجتماع في الخروج بإعلان موحد لا يمكن قراءته كفشل للمسار بقدر ما هو رسالة سياسية موجهة. فاضطرار الوساطة الأميركية إلى التفكير في إصدار بيان منفصل من واشنطن يعكس رغبة في ضبط السردية الدبلوماسية، وعدم تركها رهينة أطراف ترفض الانخراط الجدي في منطق التسوية. وهو تطور غير مسبوق يعكس تحول ميزان المبادرة داخل هذا الملف.
البعد التاريخي للنزاع وإعادة تحميل المسؤوليات
يعيد هذا التطور إلى الواجهة الجذور الحقيقية للنزاع، الممتدة إلى سنة 1975 عقب انسحاب إسبانيا من الأقاليم الجنوبية، ودخول المغرب مسار استكمال وحدته الترابية، مقابل اختيار الجزائر، مدعومة آنذاك من ليبيا، الاستثمار في إنشاء كيان مسلح خارج منطق الدولة. واليوم، وبعد ما يقارب نصف قرن، بات المجتمع الدولي أقل استعدادًا لمواصلة إدارة نزاع مُفتعل، وأكثر ميلاً إلى فرض حلول قائمة على الواقعية والاستقرار الإقليمي.
نحو مرحلة ضغط دبلوماسي أعلى
رغم غياب نتائج ملموسة فورية، يشكّل اجتماع مدريد محطة مفصلية في مسار إعادة تحريك الملف، في ظل انخراط أميركي أكثر وضوحًا، ودعم غربي متزايد لمبادرة الحكم الذاتي، مقابل تراجع قدرة الأطراف الرافضة للحل على كسب الوقت. وتشير المعطيات إلى إمكانية نقل جولة مقبلة من المفاوضات إلى واشنطن، حيث سيكون من الصعب على الجزائر الاستمرار في سياسة “الظل الدبلوماسي” دون تحمّل كلفة سياسية مباشرة.
ما كشفه اجتماع مدريد ليس فشل التفاوض، بل نهاية وهم دبلوماسي طويل. فالنزاع لم يعد يُدار بسؤال “من يمثل ماذا؟”، بل بسؤال أكثر مباشرة: من يعطّل الحل، ومن يملك الشجاعة السياسية لإنهائه. وفي هذا التحول، تجد الجزائر نفسها لأول مرة أمام اختبار دولي حقيقي، خارج منطق الإنكار، وداخل منطق المسؤولية.