إفريقيا أمام مرآتها التنظيمية… حين يفرض المغرب ما لا يُناقَش

بقلم: بوشعيب البازي

Screenshot

لا أستطيع، وأنا أتابع النقاشات التي رافقت استضافة المغرب للمنافسات القارية، إلا أن ألاحظ حجم التوتر الذي أحدثه النموذج التنظيمي المغربي داخل المنظومة الرياضية الإفريقية. لم يكن ذلك التوتر وليد لحظة، ولا نتاج سوء فهم عابر، بل تعبيراً صريحاً عن صدمة حقيقية أصابت أطرافاً اعتادت على منطق “الحد الأدنى المقبول”، فإذا بها تجد نفسها فجأة أمام معيار جديد، صارم، ومكلف، ويصعب الالتفاف عليه.

الهجمات الإعلامية التي استهدفت التجربة المغربية لم تكن بريئة ولا معزولة عن سياقها. لقد سعت، في جوهرها، إلى التشويش على نجاح واضح، وإلى إعادة تسويق الرداءة باعتبارها قدراً إفريقياً لا فكاك منه. غير أن هذا الخطاب، مهما بدا صاخباً، سرعان ما اصطدم بواقع لا يقبل التأويل: تنظيم محكم، بنية تحتية جاهزة، إدارة دقيقة للتفاصيل، ورؤية تجعل من الحدث الرياضي جزءاً من مشروع دولة، لا مجرد مناسبة عابرة.

حين يعجز النقد عن مقارعة الوقائع، ينزلق إلى الهامش. وهنا رأينا كيف تحوّل الجدل إلى تفاصيل ثانوية لا ترقى إلى مستوى النقاش المهني، في مشهد كشف أكثر مما أخفى. لم يكن ذلك سوى انعكاس لحالة ارتباك عميق لدى من أدركوا أن ما قدمه المغرب لم يكن استثناءً ظرفياً، بل نموذجاً قابلاً للتكرار… شرط امتلاك الإرادة والوسائل.

هذا الإدراك كانت له تبعات مباشرة. فاعتذار مصر عن استضافة نسخة 2028، والصمت الثقيل الذي يلف موقف الجزائر، وتردد جنوب إفريقيا رغم خبرتها، كلها مؤشرات على أن “السقف المغربي” بات عبئاً ثقيلاً على من لم يستعد له. أما لجوء بعض الدول إلى ملفات تنظيم مشتركة أو طلب التأجيل، فليس سوى اعتراف غير معلن بصعوبة مجاراة ما أصبح معياراً جديداً داخل القارة.

الأخطر في هذا المشهد أن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم نفسه وجد نفسه أمام معادلة غير مريحة: طموح جماهيري ارتفع بفعل التجربة المغربية، مقابل واقع تنظيمي لا يزال عاجزاً عن توفير بدائل بنفس المستوى. وهنا تكمن المفارقة؛ فالمغرب لم يحرج منافسيه بخطاب، بل أحرجهم بالإنجاز.

في النهاية، لا أرى في ما حدث “تفوقاً مغربياً” بالمعنى الدعائي الضيق، بل تحوّلاً بنيوياً فرض على إفريقيا أن تنظر إلى نفسها بصدق. فإما أن تُراجع منطق التدبير والتنظيم، أو أن تستمر في تبرير الأعطاب بلغة المؤامرة والضجيج الإعلامي. ما قام به المغرب هو أنه وضع القارة أمام مرآتها… ومن لا تعجبه صورته، ليس له أن يكسر المرآة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com