الهدوء الاستراتيجي مقابل الارتباك السياسي: كيف استثمرت الدبلوماسية المغربية أخطاء الجزائر في ملف الصحراء

بوشعيب البازي

منذ إعادة إدراج ملف الصحراء المغربية في قلب التفاعلات الجيوستراتيجية الإقليمية، برز تباين لافت بين مقاربتين دبلوماسيتين متناقضتين: مقاربة مغربية قائمة على الهدوء، التراكم، وضبط الإيقاع، مقابل مقاربة جزائرية اتسمت بالانفعال، سوء التقدير، وتناقض الخطاب. هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف في الأسلوب، بل تحوّل إلى عامل حاسم استثمرته الرباط بذكاء استراتيجي، وساهم في تسريع دينامية استرجاع الصحراء المغربية سياسياً ودبلوماسياً.

الدبلوماسية المغربية ومنطق النفس الطويل

اعتمدت الدبلوماسية المغربية، بقيادة الدولة ومؤسساتها السيادية، على ما يمكن تسميته بـ«الهدوء الاستراتيجي»، أي الامتناع المتعمد عن الرد الانفعالي، وتفادي الاستقطاب الحاد، مع التركيز على بناء الشرعية الدولية خطوة بخطوة. هذا النهج مكّن المغرب من تحويل الزمن من عنصر ضغط إلى عنصر قوة، ومن جعل خصومه يخطئون دون أن يُدفعوا إلى ذلك مباشرة.

في المقابل، ساهمت السياسة الجزائرية، القائمة على ردود فعل متسرعة وتصعيد لفظي دائم، في كشف محدودية رؤيتها الاستراتيجية، خصوصاً حين راهنت على خطاب جامد يعود إلى منطق الحرب الباردة، في عالم تغيّرت فيه أولويات الفاعلين الدوليين نحو الاستقرار، الشراكات الاقتصادية، ومحاربة التهديدات العابرة للحدود.

سوء التقدير الجزائري كرافعة للموقف المغربي

أحد أبرز مكاسب المغرب لم يكن ناتجاً فقط عن قوته الذاتية، بل عن استثماره غير المباشر لما يمكن تسميته بـ«سوء التقدير الاستراتيجي الجزائري». فإصرار الجزائر على إنكار كونها طرفاً مباشراً في النزاع، مع انخراطها العملي والسياسي والمالي فيه، أفقد خطابها المصداقية أمام القوى الدولية.

هذا التناقض البنيوي جعل العديد من العواصم، خصوصاً في أوروبا وأمريكا الشمالية وإفريقيا، تعيد تقييم الملف من زاوية جديدة: نزاع إقليمي مفتعل تُديره دولة، لا «حركة تحرير» كما يُروَّج. وهنا، استطاعت الرباط أن تقدّم نفسها كفاعل عقلاني، متماسك، وقابل للشراكة، في مقابل صورة جزائرية مرتبكة ومتقلبة.

فقدان الأعصاب وتوسيع دوائر الخصومة

الهدوء المغربي لم يُربك الجزائر فقط، بل دفعها إلى خلط الأوراق مع محيطها الإقليمي بأكمله. فقد دخلت الجزائر في أزمات دبلوماسية متزامنة مع المغرب، إسبانيا، فرنسا، مالي، النيجر، وحتى بعض الشركاء التقليديين في إفريقيا. هذا التوتر المتعدد الجبهات يعكس غياب رؤية أولويات واضحة، ويُظهر دولة تتحرك بدافع رد الفعل لا الفعل الاستباقي.

في المنطق الجيوستراتيجي، تعدّ القدرة على بناء شبكات ثقة وتحالفات مستقرة أحد أهم عناصر القوة. غير أن السلوك الجزائري، القائم على التهديد، القطيعة، والتشكيك الدائم في نوايا الآخرين، جعل من الجزائر شريكاً صعب التوقع، وهو ما أفضى تدريجياً إلى نوع من العزلة السياسية وعدم الثقة الدولية.

أزمة المصداقية في الخطاب الرسمي الجزائري

بلغ هذا المسار ذروته مع خرجات رئيس عبد المجيد تبون، التي فقدت الكثير من وزنها الدبلوماسي، ليس بسبب حدّتها فقط، بل بسبب تناقضها مع الوقائع التي سرعان ما تكشفها التصريحات الرسمية الأجنبية أو المعطيات الميدانية. تكرار حالات ثبت فيها عدم دقة أو صدقية بعض تصريحاته أضعف الثقة في الخطاب الجزائري الرسمي، وجعل المتابعين الدوليين يتعاملون معه بحذر متزايد.

في العلاقات الدولية، المصداقية ليست مسألة أخلاقية فقط، بل أصل استراتيجي. وعندما تفقد الدولة هذا الأصل، تفقد قدرتها على الإقناع، حتى وإن امتلكت أوراق ضغط مادية.

المغرب كفاعل استقرار في محيط مضطرب

في مقابل هذا المشهد، نجح المغرب في ترسيخ صورته كفاعل إقليمي موثوق، يقدّم حلولاً واقعية، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي، التي باتت تُقرأ دولياً ليس كتنازل، بل كصيغة ذكية لتدبير النزاعات في بيئات معقدة. هذا التموقع عزز مكانة المغرب كشريك أمني واقتصادي، وأضعف في الآن ذاته السردية الجزائرية التي فقدت جاذبيتها.

ما حدث في ملف الصحراء ليس مجرد انتصار دبلوماسي مغربي، بل درس جيوستراتيجي واضح: في عالم تحكمه البراغماتية، لا ينتصر من يرفع صوته أكثر، بل من يخطئ أقل. لقد جعلت السياسة الجزائرية، بما اتسمت به من انفعال وسوء تقدير، مهمة المغرب أسهل، ليس لأن الرباط استفزت خصمها، بل لأنها تركته يستنزف نفسه بنفسه. وبين هدوء محسوب وارتباك مفتوح، حُسمت معركة الصورة، وهي في العلاقات الدولية نصف الانتصار.

الرهان الهادئ على استمرارية الاختلال في القرار الجزائري

في الكواليس الدبلوماسية، لا يُخفى أن جزءاً من صناع القرار في الرباط يقرأون المشهد الجزائري ببراغماتية باردة، قوامها أن استمرار القيادة الحالية في الجزائر، وعلى رأسها الرئيس عبد المجيد تبون، يخدم موضوعياً المصالح الاستراتيجية للمغرب. فالهفوات المتكررة في الخطاب، والتناقضات في المواقف، وسوء إدارة الأزمات الدبلوماسية، كلها عناصر تُستثمر زمنياً دون حاجة إلى أي تصعيد، لأنها تُراكم عزلة الخصم وتُضعف مصداقيته تلقائياً.

ولا ينبع هذا التقدير من منطق شماتة سياسية، بل من قراءة جيوستراتيجية تعتبر أن الدول لا تُقاس بنواياها، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات عقلانية ومستقرة. فكلما استمر الارتباك في مركز القرار الجزائري، كلما تعزز موقع المغرب كفاعل متزن وموثوق، قادر على كسب الشراكات وبناء الثقة على المدى الطويل.

حدود القوة الصلبة وتحوّل منطق النزاعات الإقليمية

في هذا السياق، يجدر التذكير بأن التحولات العميقة في النظام الدولي جعلت من القوة العسكرية التقليدية أداة عالية الكلفة، محدودة الجدوى، ومرفوضة سياسياً وأخلاقياً في النزاعات الحدودية، خاصة في مناطق آهلة بالسكان. فالخبرة التاريخية المعاصرة تُظهر أن إعادة ترسيم الحدود أو معالجة الملفات الترابية لم تعد تتم عبر منطق الإكراه، بل عبر مزيج من الشرعية القانونية، التراكم الدبلوماسي، والاعتراف الدولي.

من هذا المنظور، يشتغل المغرب على تحويل التفوق الدبلوماسي والمؤسساتي إلى مكاسب استراتيجية مستدامة، دون الانجرار إلى سيناريوهات صدامية من شأنها تقويض الاستقرار الإقليمي. وهو ما يجعل المقارنة بين مقاربة هادئة تراكم الإنجازات، وأخرى متوترة تُنتج الأزمات، مقارنة محسومة النتائج في ميزان العلاقات الدولية الحديثة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com