منذ انتهاء الحملات الواسعة لتلقيح كوفيد-19 و إلى يومنا هذا، بدأت تطفو إلى السطح شكاوى متشابهة لدى عدد كبير من المواطنين، تتمحور حول التعب المزمن، ضيق في التنفس يشبه نوبات الربو، لهاث سريع بعد مجهود بسيط، إحساس بنقص الأوكسجين، ورغبة في الغثيان بعد أي نشاط عضلي. المثير للانتباه أن هذه الأعراض لا تقتصر على فئات هشة أو مسنة، بل تشمل شباناً ورياضيين وأشخاصاً كانوا يتمتعون بلياقة بدنية جيدة قبل الجائحة.
عدد من الرياضيين الهواة والمحترفين السابقين صرّحوا بأن قدرتهم على التحمل تراجعت بشكل لافت بعد التلقيح. أشخاص اعتادوا ممارسة الرياضة لساعات أصبحوا يعانون من عياء شديد خلال دقائق قليلة، دون وجود تشخيص طبي واضح يفسر هذا التراجع المفاجئ. هذه الشهادات، التي تتكرر في مدن وبيئات اجتماعية مختلفة، تطرح تساؤلات مشروعة حول الأسباب الحقيقية لما يحدث.
علمياً، تؤكد الهيئات الصحية الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، أن لقاحات كوفيد-19 لعبت دوراً حاسماً في تقليص الوفيات والحالات الخطيرة خلال الجائحة، وأنها خضعت لتجارب سريرية صارمة. غير أن هذه المؤسسات نفسها تعترف بوجود آثار جانبية نادرة، وبأن المعرفة العلمية حول التأثيرات طويلة الأمد ما تزال في طور التراكم والدراسة، خاصة مع حداثة هذه اللقاحات.
في المقابل، يشير عدد من الأطباء إلى أن جزءاً كبيراً من الأعراض المبلغ عنها قد يكون مرتبطاً بما يُعرف بـ«كوفيد طويل الأمد»، وهي متلازمة تصيب أشخاصاً سبق أن أُصيبوا بالفيروس، أحياناً دون علمهم أو بأعراض خفيفة. هذه الحالة معروفة بتسببها في إرهاق مزمن، ضيق تنفس، ضعف عضلي واضطرابات في الجهاز العصبي، وقد تستمر لأشهر أو سنوات، سواء تلقى المصاب اللقاح أم لا.
غير أن الإشكال لا يكمن فقط في التفسير الطبي، بل في غياب التتبع الصحي المنهجي للمواطنين بعد التلقيح. فمعظم الأشخاص الذين يشتكون من هذه الأعراض لم يخضعوا لفحوص معمقة أو بروتوكولات متابعة طويلة الأمد، ما يجعلهم عالقين بين الشك الطبي والإنكار الإداري. هذا الفراغ فتح المجال أمام الشائعات ونظريات المؤامرة، في ظل ضعف التواصل الرسمي وعدم الاعتراف الواضح بحالات التعب غير المفسرة.
ويطرح مواطنون سؤالاً حساساً يتعلق بالثقة: هل تلقّى المسؤولون والنخب السياسية والإدارية نفس اللقاحات وبنفس الشروط؟ رسمياً، تؤكد الدول أن التلقيح شمل الجميع دون استثناء، لكن غياب الشفافية التفصيلية حول الآثار الجانبية داخل هذه الفئات ساهم في تعميق الشك لدى الرأي العام، خاصة عندما يُطلب من المواطن الصبر دون تقديم معطيات دقيقة.
لا توجد إلى اليوم أدلة علمية قاطعة تثبت أن لقاح كوفيد-19 هو السبب المباشر لكل حالات التعب وضيق التنفس المسجلة، كما لا يمكن في المقابل تجاهل حجم الشهادات المتطابقة التي يعبّر عنها مواطنون من مختلف الخلفيات. بين العلم الذي لم يقل كلمته الأخيرة، والمؤسسات التي لم تُحسن التواصل، يبقى المطلب الأساسي واضحاً: تحقيق صحي مستقل، شفاف، يُنصت للمتضررين، ويفصل بوضوح بين آثار الفيروس وآثار التلقيح، حفاظاً على صحة المواطنين واستعادة الثقة المفقودة.