سد خنق كرو: عندما يردّ المغرب على قطع الغاز بإستراتيجية الماء الصامتة

بوشعيب البازي

لم يكن بناء سد خنق كرو مجرد مشروع مائي تقني في شرق المغرب، بل خطوة سيادية محسوبة بدقة، تندرج ضمن منطق إعادة ضبط التوازنات الجيوستراتيجية في منطقة لطالما عرفت اختلالاً صامتاً في استغلال الموارد الطبيعية العابرة للحدود. هذا السد، الذي أقامه المغرب على مستوى وادي كير، جاء لوضع حد لتسربات مائية كانت تتجه لسنوات طويلة نحو مناطق تندوف وبشار داخل التراب الجزائري، دون أي اتفاق قانوني أو مقابل اقتصادي، في وقت كانت فيه مناطق مغربية تعاني من الإجهاد المائي والجفاف المتكرر.

من منظور استراتيجي، يعكس هذا القرار تحوّلاً واضحاً في العقيدة المغربية لتدبير الموارد الحيوية، حيث لم يعد مقبولاً استمرار نزيف مائي مجاني في سياق إقليمي متوتر، خاصة بعد أن أقدمت الجزائر على قطع إمدادات الغاز عن المغرب، رغم أن الرباط كانت تؤدي ثمنه وتحترم التزاماتها التعاقدية. في هذا السياق، يصبح الماء، مثل الطاقة، ورقة سيادية مشروعة، تُدار بمنطق المصالح الوطنية لا بمنطق المجاملات السياسية.

المفارقة اللافتة أن الجزائر، التي بررت قرارها بقطع الغاز باعتبارات سيادية، وجدت نفسها اليوم في مواجهة منطق مماثل. فالمغرب لم “يعاقب” أحداً، بل أعاد ترتيب أولوياته المائية وفق احتياجاته الداخلية، واضعاً حداً لوضع غير متكافئ دام لعقود. وبهذا المعنى، فإن ما يحدث ليس تصعيداً، بل تصحيحاً لمسار غير عادل، ينطبق عليه المثل القائل: البادئ أظلم.

وتتجاوز تداعيات هذا التحول البعد الرمزي إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة، خاصة على مشروع غار جليلات الضخم لاستخراج الحديد في الجنوب الغربي الجزائري. هذا المشروع، الذي يُقدَّم كرافعة استراتيجية للاقتصاد الجزائري، يعتمد بشكل أساسي على وفرة المياه في عمليات الاستخراج والمعالجة. دون موارد مائية مستقرة، يبقى غار جليلات مجرد حفرة واسعة في صحراء قاحلة، مشروعاً مؤجلاً أكثر منه منجماً واعداً، وهو ما يضع صناع القرار في الجزائر أمام معادلة صعبة بين الطموح الصناعي والواقع البيئي.

في المقابل، يكرّس المغرب نهجاً مختلفاً في إدارة الصراع غير المعلن. فهو لا يلجأ إلى الخطاب العالي ولا إلى الميكروفونات، بل يراكم الإنجازات على الأرض، من خلال البنية التحتية، وتدبير الموارد، والدبلوماسية الهادئة. بناء السدود، تأمين الماء، وتحصين العمق الاستراتيجي، كلها أدوات صامتة لكنها فعالة، تسد الأفواه بالفعل لا بالشعارات، بل بوقائع يصعب إنكارها.

إن ما يميّز المقاربة المغربية في هذا الملف هو أنها تجمع بين الحكمة والبراغماتية. فلا إعلان حرب، ولا منطق ابتزاز، بل ممارسة سيادية طبيعية لدولة تدرك أن القرن الحادي والعشرين لن تُحسم صراعاته بالدبابات فقط، بل بالماء، والطاقة، والقدرة على التخطيط البعيد المدى. في هذا الإطار، يصبح سد خنق كرو أكثر من منشأة مائية؛ إنه رسالة استراتيجية مفادها أن المغرب يبني بهدوء، ويحمي مصالحه دون ضجيج، ويترك للأرقام والوقائع أن تتحدث عنه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com