تحديث العمل القنصلي في خدمة مغاربة العالم: من الإصلاح الإداري إلى الأمن القانون

بوشعيب البازي

يأتي تحديث العمل القنصلي المغربي في سياق الرؤية الاستراتيجية التي يقودها الملك محمد السادس، والرامية إلى تعزيز علاقة القرب بين الإدارة والمواطن، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وتيسير ولوج مغاربة العالم إلى حقوقهم الإدارية والقانونية، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الأسرية، شبه القضائية، والإدارية ذات الصلة بالحياة اليومية.

لقاء تواصلي يعكس التحول المؤسساتي

في هذا الإطار، نظّمت القنصلية العامة للمملكة المغربية ببروكسيل لقاءً تواصليًا مفتوحًا مع أفراد الجالية المغربية والنسيج الجمعوي، خُصص للإجابة عن تساؤلات المواطنين بخصوص ملفاتهم الأسرية والخاصة، ولشرح الإصلاحات التي عرفها العمل القنصلي. وقد شكّل هذا اللقاء فضاءً للتفاعل المباشر، وترجمة عملية لسياسة الانفتاح المؤسساتي.

توحيد المساطر وتعزيز الشفافية

منذ سنة 2022، عرف النسيج القنصلي المغربي إصلاحات هيكلية عميقة، تمثلت في اعتماد دليل موحد للمساطر داخل جميع القنصليات، بما يضمن توحيد المرجعيات القانونية والإدارية، ويكرس مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمة. كما تم اعتماد بوابة رقمية موحدة للخدمات القنصلية، مكّنت من إرساء شفافية أكبر في معالجة الملفات.

الرقمنة في خدمة المواطن

شكلت الرقمنة أحد أعمدة الإصلاح القنصلي، حيث تم اعتماد حجز المواعيد إلكترونيًا، إلغاء الطوابع الورقية، وإقرار الأداء بواسطة البطاقة البنكية. كما أُحدث مركز اتصال متعدد اللغات بالرباط، استجابة لتعليمات وزارة الشؤون الخارجية، بهدف مواكبة المواطنين والرد على استفساراتهم، مما ساهم في تحسين جودة الخدمات وتقليص آجال المعالجة.

إجراءات غير مسبوقة لفائدة مغاربة العالم

ضمن نفس الدينامية، تم اعتماد تدابير نوعية من شأنها تبسيط المساطر وتقريب الإدارة من المواطن، من بينها إلغاء مبدأ التقطيع الترابي القنصلي، بما يتيح للمواطن اختيار أي قنصلية لقضاء أغراضه، بغض النظر عن بلد الإقامة. كما تم تمكين النساء الحاضنات من إنجاز الإجراءات القنصلية المتعلقة بأطفالهن القاصرين دون اشتراط موافقة الأب، واعتماد التسجيل القنصلي عن بُعد.

خدمات رقمية جديدة وآفاق مستقبلية

وتشمل الإصلاحات أيضًا إطلاق تطبيق خاص بطلب نقل جثمان المتوفى ابتداءً من سنة 2025، وقرب تفعيل خدمات رقمية إضافية، من بينها طلب شهادة الجنسية عن بُعد، والحصول على عقود الازدياد عبر الوسائل الإلكترونية. وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنسبة للمغاربة المقيمين في دول لا تتوفر على تمثيليات قنصلية، حيث تساهم في تقليص التنقل وتخفيف الأعباء.

البعد القانوني ودور قضاة الاتصال

في هذا السياق، أوضحت إيمان المالكي، قاضية الاتصال، أن هذا اللقاء يندرج ضمن ترسيخ جسور التواصل والتعاون مع الجالية المغربية ببلجيكا، من خلال تبسيط اللغة القانونية التقنية، ورفع الغموض عن الإشكاليات القضائية التي تواجه الأسر المغربية، بما يضمن الولوج إلى العدالة في إطار من الأمن القانوني والثقة المؤسساتية.

التفاعل المباشر وتعزيز الثقة

من جهته، أكد حسن التوري، القنصل العام للمملكة المغربية ببروكسيل، أن هذا اللقاء يأتي استجابة للتعليمات السامية لجلالة الملك، وتعليمات وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، بهدف إطلاع المواطنين والنسيج الجمعوي على مختلف الإصلاحات، وتسهيل قضاء مصالحهم في أفضل الظروف.

نحو قنصلية دامجة وقريبة

وقد أتاح اللقاء للمواطنين فرصة طرح أسئلتهم بشكل مباشر، والحصول على أجوبة دقيقة بحضور قاضي الأسرة ورئيسة قسم الحالة المدنية، مما يعكس تحوّل القنصلية إلى فضاء للإصغاء والتوجيه والمواكبة. ويؤكد هذا المسار أن العمل القنصلي المغربي يتجه بثبات نحو نموذج حديث، دامج، وقريب من المواطن، قوامه الشفافية، الفعالية، والأمن القانوني.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com