تعبئة قنصلية استباقية لحماية حقوق الجالية المغربية بإسبانيا: مقاربة مؤسساتية في ظل إصلاحات الهجرة

بوشعيب البازي

Screenshot

في سياق التحولات العميقة التي تعرفها منظومة الهجرة بإسبانيا، أطلقت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج حزمة إجراءات استعجالية وتدابير استثنائية شملت مختلف القنصليات العامة للمملكة عبر التراب الإسباني، في خطوة تعكس مقاربة استباقية لحماية حقوق الجالية المغربية ومواكبة التحولات التشريعية الجديدة. وتندرج هذه الدينامية في إطار رؤية يقودها وزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، وبتنفيذ ميداني محكم تشرف عليه مديرية الشؤون القنصلية بقيادة فؤاد القدميري.

استجابة مؤسساتية لإكراهات واقعية

جاءت هذه التعبئة القنصلية تفاعلا مباشرا مع أسئلة وتنبيهات برلمانية رصدت معاناة فئات واسعة من المهاجرين المغاربة، خاصة الموجودين في وضعية غير نظامية، في الحصول على وثائق أساسية مثل شهادة السجل العدلي وتجديد جوازات السفر. وقد تفاقمت هذه الإشكالات بفعل ضغط المواعيد الإلكترونية وبروز ظاهرة “سماسرة المواعيد”، التي أرهقت المرتفقين بتكاليف إضافية غير مشروعة.

تبسيط مسطرة «حسن السيرة»: إصلاح إجرائي نوعي

ابتداء من 11 فبراير 2026، شرعت القنصليات المغربية في اعتماد مسطرة مبسطة تتيح تسليم «بطاقة السوابق» مذيلة بختم “الأبوستيل” مباشرة من المصالح القنصلية، دون الحاجة إلى التنقل نحو المغرب. ويعد هذا الإجراء تحولا نوعيا يختصر الزمن الإداري ويسرّع إيداع ملفات الإقامة، بما ينسجم مع متطلبات الإصلاحات الإسبانية الجديدة.

وفي هذا السياق “استجابت الوزارة  في وقت وجيز لضغط غير مسبوق”، مبرزا أن تجنيد 12 قنصلية عبر التراب الإسباني مكّن من امتصاص الطلب المتزايد على هذه الوثيقة الحيوية.

«أبواب مفتوحة» وتمديد ساعات العمل

تعزيزا لنجاعة هذه التدابير، نظمت القنصليات العامة، لاسيما في مدريد و**فالنسيا**، أيام “أبواب مفتوحة” خلال عطلات نهاية الأسبوع، مع تمديد ساعات العمل إلى غاية السادسة مساء، واعتماد نظام المداومة خلال العطل الرسمية. ويعكس هذا الإجراء فهما دقيقا لواقع الجالية والتزاماتها المهنية، ويترجم فلسفة “القنصلية المواطِنة” التي تنادي بها الدبلوماسية المغربية.

تلازم الإصلاح القنصلي مع إصلاح الهجرة الإسباني

تتزامن هذه التحركات مع اعتماد مدريد مقاربة براغماتية لتسريع تسوية أوضاع المهاجرين، عبر تقليص مدة الإقامة المطلوبة لإثبات “التجذر” من ثلاث سنوات إلى خمسة أشهر فقط، شريطة التواجد فوق التراب الإسباني قبل 31 دجنبر 2025. ويُمنح المستفيدون إقامة مؤقتة تتيح العمل القانوني، في قطاعات تعاني خصاصا بنيويا، كالفلاحة والبناء.

رهانات الاستقرار والحماية الاجتماعية

تشير التقديرات إلى أن الجالية المغربية ستكون من أبرز المستفيدين من هذا الإصلاح، بالنظر إلى ثقلها الديموغرافي وحضورها الاقتصادي، خاصة في مناطق مورسيا و**ألميريا** و**كتالونيا**. وتؤكد الإحصائيات أن عدد المولودين في المغرب والمقيمين بإسبانيا يفوق 1.16 مليون شخص، بينما يحمل قرابة 969 ألفا الجنسية المغربية، أي ما يعادل 12.37% من مجموع الأجانب المقيمين.

نافذة فرصة في ظل تجاذبات سياسية

يرى دريوش أن دوافع القرار الإسباني “قانونية وأمنية بالأساس”، لكنه أقرّ بأن الإصلاح أثار نقاشا سياسيا محتدما، في ظل انتقادات اليمين المتطرف لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز، واحتمال عودة تشدد السياسات في حال صعود تحالفات يمينية تضم حزب فوكس خلال أفق 2027.

تُبرز هذه التجربة التكامل الوظيفي بين الدبلوماسية السياسية والدبلوماسية القنصلية المغربية، حيث أسهمت القيادة الاستراتيجية لناصر بوريطة والتنزيل الإداري لفؤاد القدميري في تحويل إصلاح تشريعي خارجي إلى فرصة حماية واستقرار للجالية. وهي مقاربة تؤكد أن صيانة حقوق المواطنين بالخارج ليست مجرد إجراء تقني، بل رافعة سيادية وأداة استقرار اجتماعي في فضاء متوسطي متقلب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com