اجتماع مدريد ومسار تنزيل القرار 2797: قراءة جيوستراتيجية في تحوّل مقاربات نزاع الصحراء المغربية

بوشعيب البازي

شكّل الاجتماع الذي احتضنته السفارة الأميركية في مدريد حول نزاع الصحراء المغربية، رغم طابعه “مكتوم الصوت” وما أحيط به من توصيفات السرية، لحظة مفصلية في الانتقال من منطق التدبير السياسي العام للنزاع إلى منطق التفعيل الإجرائي لمقتضيات القرار مجلس الأمن رقم 2797. ولم يكن الزخم الإعلامي والدبلوماسي الذي رافق هذا اللقاء وليد الصدفة، بل نتاج تسريبات متواترة كشفت تدريجيًا عن أهمية ما يُطبخ في الكواليس، إلى أن باتت ملامحه شبه مؤكدة.

لم يكن اجتماع مدريد لقاءً تقنيًا عابرًا، بل محطة كرّست الإشراف الفعلي للإدارة الأميركية على المسار العملي المؤدي إلى تسوية النزاع. إشراف يحمل بعدًا تدبيريًا واضحًا، لكنه مشبع بحمولة سياسية ثقيلة، تمتد جذورها إلى الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، وإلى الدور المركزي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في صياغة القرار الأممي ذاته. بذلك، انتقلت واشنطن من موقع الداعم السياسي إلى موقع الضامن التنفيذي لمسار الحل.

تثبيت معادلة الأطراف وتحميل المسؤوليات

حسم اجتماع مدريد، بشكل لا لبس فيه، تركيبة الأطراف المعنية مباشرة بمائدة محادثات الحل، محددًا العضوية الرباعية في المغرب و**الجزائر** و**موريتانيا**، ممثلة بوزراء خارجيتها، إلى جانب ممثل عن جبهة البوليساريو. بهذا التحديد، تم القطع مع محاولات سابقة لاختزال النزاع في ثنائية مضلِّلة، أو التملص من المسؤولية السياسية المباشرة، خصوصًا من الطرف الجزائري.

الجزائر، بحضورها إلى طاولة المحادثات، جلست في موقع الطرف المعني بتدبير الانتقال نحو الحل، بما يعنيه ذلك من انخراط عملي في مسار تنزيل الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المغربية، كما نص عليه قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر الماضي. والأهم أن هذه المشاركة تضع الجزائر في موقع “الشريك الفاعل” في الحل، لا مجرد المتفرج عليه.

جدل “المراقب” وحدود المناورة الخطابية

محاولات توصيف المشاركة الجزائرية بكونها “مراقبة”، كما روّجت لذلك بعض المنابر الإعلامية الجزائرية نقلًا عن مصادر رسمية، لا تغيّر من جوهر المعطى شيئًا. فالمائدة المستديرة، بطبيعتها السياسية، لا تعترف بأنصاف المواقع: من يجلس حولها هو طرف، أما المراقب فيتابع من خارجها دون تدخل أو إبداء رأي. وعليه، فإن الجدل الدلالي حول الصفة يعكس بالأساس حرج الانتقال من موقع الرفض إلى موقع التفاعل.

ويُحسب للقيادة الجزائرية أنها أعادت النظر في موقفها السابق الرافض للقرار الأممي، واختارت مقاربته من زاوية مغايرة. فالانتقال من موقع القطيعة مع التوجه الدولي إلى موقع المشاركة في تنزيله، ليس تحولًا هيّنًا، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام السياسي على تجاوز منطلقات عقائدية حكمت سياساته لنحو نصف قرن. ويُسجَّل في هذا السياق أن الرئيس عبد المجيد تبون فضّل منطق المصلحة الاستراتيجية للجزائر على منطق الجمود الإيديولوجي.

المغرب: تيسير الحل ومنطق «لا غالب ولا مغلوب»

في المقابل، واصل المغرب تموقعه كفاعل ميسّر لمسار الحل المطلوب دوليًا، مؤكدًا استعداده لفك العقدة المركزية في النزاع عبر بوابة تطبيع العلاقات الجزائرية المغربية. مقاربة تقوم على فلسفة “لا غالب ولا مغلوب”، وتؤكد أن الرباط لا تسعى إلى هزيمة الجزائر، بل إلى إشراكها في حل توافقي وبناء مستقبل مغاربي مثمر.

هذا التوجه يجد جذوره في السياسة الملكية التي ما فتئ الملك محمد السادس يؤكد عليها، من خلال نداءات متكررة للحوار الأخوي والتعاون المفتوح. سياسة تمزج بين الواقعية الجيوسياسية والحس التاريخي، وتستحضر التحديات التنموية المشتركة وقيم الجوار والمصير الواحد.

من الانفصال إلى الحكم الذاتي: تحوّل استراتيجي

المشاركة الجزائرية في محادثات تهدف عمليًا إلى طي المشروع الانفصالي، وتمكين الأقاليم الصحراوية من حكم ذاتي تحت السيادة المغربية، تمثل تحوّلًا نوعيًا في العقيدة السياسية الجزائرية. هذا التحول يحتاج إلى تفهم دولي لما قد يعتريه من تردد، بالنظر إلى عمق الرهانات الداخلية والإقليمية المرتبطة به. والمغرب، المعني الأول بكسب الجزائر إلى أفق تعاون مستقبلي، أبدى تفهمًا واضحًا، وابتعد عن أي سلوك من شأنه التشويش على المسار الدولي الجاري.

أفق نيويورك وحسم الإرادة الدولية

اطّلع اجتماع مدريد رسميًا على الوثيقة المفصلة لمقترح الحكم الذاتي المغربي، التي كانت المرجع الوحيد للمفاوضات، ما يجعل من هذه المحطة إنجازًا يتجاوز التوقعات الأولية. فقد شحن المسار التفاوضي بطاقة قوية نحو محطة نيويورك في أبريل المقبل، حيث سيتم تقويم حصيلة الإعدادات للامتثال للقرار 2797.

الحماس الأميركي والأوروبي لتنزيل القرار يضيّق الخناق على أي محاولات للمناورة أو التمييع. الإرادة الدولية باتت حازمة، وتعلن بوضوح أن نزاع الصحراء المغربية يتجه نحو حل واقعي وتاريخي. اجتماع مدريد لم يكن نهاية الطريق، لكنه بلا شك كان لحظة الانعطاف الحاسمة فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com