الصحراء المغربية في مفترق التحولات الأممية: من منطق تصفية الاستعمار إلى هندسة الحل الواقعي
بوشعيب البازي
في قراءة جيوستراتيجية مغايرة لسياق إدراج قضية الصحراء المغربية ضمن جدول أعمال الدورة الحادية والثمانين لـالجمعية العامة للأمم المتحدة، يتضح أن برمجة جلستي النقاش يومي 16 و17 يونيو المقبل لا تندرج فقط ضمن الروتين الأممي المرتبط باللجنة الرابعة، بل تعكس تحولا تدريجيا في هندسة التعاطي الدولي مع هذا النزاع الإقليمي، في ضوء التوازنات الجديدة داخل منظومة الأمم المتحدة.
فالمصادقة بالإجماع على جدول الأعمال، وما رافقها من ترتيبات تنظيمية، تكشف عن رغبة أممية في إعادة تأطير النقاش حول الصحراء ضمن سقف سياسي مضبوط، يتجاوز المقاربات الإيديولوجية التقليدية المرتبطة بمفهوم تصفية الاستعمار، نحو منطق تدبيري-تفاوضي يستند إلى مرجعيات مجلس الأمن باعتباره الهيئة المخولة حصريا بإدارة النزاعات المهددة للسلم والأمن الدوليين.
وفي هذا السياق، تكتسي مشاركة وفود سياسية وحقوقية واقتصادية من الأقاليم الجنوبية للمملكة أهمية استراتيجية، ليس فقط من حيث عرض المعطيات الميدانية المتعلقة بالتنمية وحقوق الإنسان، بل باعتبارها آلية مضادة لسرديات الانفصال التي فقدت قدرتها على الصمود أمام الوقائع الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة في المنطقة. فالحضور الصحراوي المؤسسي داخل أروقة الأمم المتحدة يعزز مقاربة “التمثيل من الداخل”، ويقوض خطاب “التمثيل بالوكالة” الذي ظلت أطراف إقليمية تروّجه لعقود.
أما تجديد الثقة في رئاسة اللجنة الخاصة المعنية بتصفية الاستعمار (اللجنة 24)، إلى جانب تثبيت صفة المراقب لكل من المغرب والجزائر، فيعكس توازنا دقيقا تسعى الأمم المتحدة إلى الحفاظ عليه، دون أن يعني ذلك حيادا في الجوهر، بقدر ما يعبّر عن إدارة محسوبة لملف شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات القانون الدولي مع رهانات الجغرافيا السياسية الإقليمية.
اللافت في هذا المسار هو أن النقاش المرتقب سيستند إلى القرار المعتمد في دجنبر 2025، الذي جدّد دعم الأمم المتحدة للعملية السياسية التي أطلقها مجلس الأمن الدولي بموجب قراره 1754، وما تلاه من قرارات كرّست مبدأ الحل السياسي الواقعي والتوافقي. وهو ما يعني، عمليا، أن هامش المناورة أمام الأطراف المتمسكة بخطاب الجمود بات أضيق من أي وقت مضى.
ومن زاوية جيوستراتيجية أوسع، فإن استمرار تمديد ولاية بعثة المينورسو، كما نص عليه القرار 2797، لا يمكن فصله عن سعي مجلس الأمن إلى تثبيت الاستقرار الميداني، بالتوازي مع الدفع نحو حل نهائي. غير أن هذا التوازن يظل هشّا في ظل تعثر المسار السياسي بسبب حسابات إقليمية، خاصة ما يتعلق بدور الجزائر، التي تظل فاعلا مركزيا في معادلة النزاع، رغم محاولاتها تقديم نفسها كطرف “غير معني”.
في المقابل، راكم المغرب، خلال السنوات الأخيرة، مكاسب دبلوماسية نوعية، جعلت من مقترح الحكم الذاتي لسنة 2007 مرجعية دولية متقدمة، بعد أن كان يُقدَّم كحل وطني أحادي. هذا التحول البنيوي في تموقع المبادرة المغربية غيّر قواعد النقاش داخل المؤسسات الأممية، وفرض واقعية سياسية جديدة، باتت تُحرج الأطروحات الانفصالية وتضعها في مواجهة مباشرة مع منطق الاستقرار الإقليمي.
وعليه، فإن جلسات يونيو المقبلة لن تكون مجرد محطة إجرائية، بل اختبارا لقدرة الجمعية العامة ولجنتها الرابعة على التكيف مع التحولات التي فرضها مجلس الأمن. فالإصرار على استدعاء مقاربات متجاوزة قد يزج بالجمعية العامة في منطقة رمادية قانونيا، خاصة في ظل القيود التي تفرضها المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تحدّ من صلاحياتها عندما يكون مجلس الأمن منخرطا فعليا في معالجة نزاع معين.
في المحصلة، يتجه ملف الصحراء المغربية، داخل الأمم المتحدة، نحو مرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي: مرحلة تقل فيها مساحة الشعارات، وتتقدم فيها لغة الحلول الواقعية، تحت ضغط الوقائع الميدانية، والتحولات الإقليمية، وتنامي قناعة دولية بأن الاستقرار في شمال إفريقيا يمر عبر تسوية سياسية دائمة، لا عبر إدارة نزاع مؤجل.