بروكسيل تحتضن ندوة علمية رفيعة بمسجد الخليل: قراءة أكاديمية في الصيام بين التربية والروح والمقاصد

بوشعيب البازي

Screenshot

في سياق يتسم بتعقّد الأسئلة الدينية وتحوّل أنماط التدين داخل المجتمعات الأوروبية، احتضنت مدينة بروكسيل ندوة علمية وُصفت من قبل متتبعيها بالنوعية والرصينة، نظمها تجمع مسلمي بلجيكا بـ مسجد الخليل، بحضور نخبة من الدكاترة والأساتذة المتخصصين في العلوم الشرعية، إلى جانب مشاركة وازنة لأفراد الجالية المغربية المقيمة بالعاصمة البلجيكية.

الدين كحاجة معرفية وتربوية في السياق الأوروبي

يأتي تنظيم هذه الندوة في لحظة مفصلية في شهر رمضان ، تتزايد فيها حاجة المسلمين بأوروبا إلى خطاب ديني مؤصل علمياً، قادر على الجمع بين النص الشرعي ومقاصده، وبين الثوابت الدينية وخصوصيات الواقع الغربي. فالعيش في سياقات ثقافية وقانونية مغايرة يفرض على المؤسسات الدينية الانتقال من الوعظ التقليدي إلى التأطير العلمي الرصين، وهو ما سعت هذه الندوة إلى تجسيده من خلال محاورها ومنهجها الأكاديمي.

الصيام في السيرة النبوية: من العبادة إلى البناء التربوي

المحور الأول من الندوة خُصص لـ البعد التربوي للصيام من خلال السيرة النبوية، حيث شدد المتدخلون على أن الصيام في الإسلام لا يختزل في الامتناع عن الطعام والشراب، بل يشكل منظومة تربوية متكاملة.

وقد أبرزت المداخلات كيف جسدت السيرة النبوية الصيام باعتباره أداة لإعادة بناء الإنسان أخلاقياً وسلوكياً، من خلال ترسيخ قيم الصبر، وضبط النفس، وتحرير الإرادة من هيمنة الشهوات، وهي قيم تكتسي أهمية مضاعفة في بيئات يغلب عليها الاستهلاك المفرط وتسارع وتيرة الحياة.

قيام الليل: البعد الروحي في زمن الاغتراب

أما المحور الثاني، فقد تناول قيام الليل وعلاقته ببناء الصلة بين العبد وربه، من زاوية روحية ونفسية عميقة. وأكد الأساتذة المحاضرون أن قيام الليل يمثل لحظة صفاء إيماني، يعيد التوازن للذات المسلمة، ويمنحها قدرة أكبر على الصمود أمام الضغوط النفسية والاجتماعية التي تميز حياة المسلم في المهجر.

وقد تم التأكيد على أن إحياء هذه العبادة لا ينبغي أن يُفهم كتكليف شاق، بل كفرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع الله، وبناء وعي روحي يُترجم إلى سلوك إيجابي داخل المجتمع.

فقه الصيام بين النص والمقاصد: نحو فهم متوازن

المحور الثالث شكّل العمود الفقري للندوة، حيث خُصص لـ فقه الصيام بين النص ومقاصده، وهو موضوع يلامس بشكل مباشر إشكاليات الفتوى والتدين في السياق الأوروبي.

وقد شدد المتدخلون على ضرورة تجاوز القراءة الحرفية الجامدة للنصوص، دون السقوط في التأويل المتسيب، من خلال اعتماد مقاربة مقاصدية تراعي حفظ الدين والنفس والعقل، وتُنزّل الأحكام الشرعية في ضوء الواقع المعاش.

هذا الطرح لقي تفاعلاً كبيراً من الحضور، خاصة في ظل التحديات العملية التي تواجه الصائمين في أوروبا، سواء على مستوى ساعات الصيام الطويلة أو متطلبات العمل والدراسة.

حضور لافت وتفاعل نوعي للجالية المغربية

عرفت الندوة حضوراً مكثفاً لأفراد الجالية المغربية ببروكسيل، الذين عبّروا عن ارتياحهم لمستوى النقاش الأكاديمي، معتبرين أن الندوة تجاوزت الطابع الوعظي التقليدي إلى نقاش علمي هادئ، يجيب عن أسئلة واقعية ويعزز الثقة في المؤسسات الدينية المعتدلة.

كما تميز اللقاء بنقاش مفتوح عقب المداخلات، سمح بتفاعل مباشر بين الأساتذة والحضور، ما ساهم في تعميق الفائدة العلمية وترسيخ ثقافة الحوار.

المؤسسات الدينية ودورها في ترسيخ الوسطية

تؤكد هذه الندوة أن المؤسسات الدينية في بلجيكا لم تعد مجرد فضاءات للعبادة، بل تحولت إلى منصات فكرية وتربوية، تضطلع بدور محوري في حماية الهوية الدينية من جهة، وتعزيز الاندماج الإيجابي من جهة أخرى.

ويبرز تجمع مسلمي بلجيكا، من خلال هذه المبادرة، كفاعل مدني وديني واعٍ، يسعى إلى تقديم نموذج للتدين المتوازن، القائم على المعرفة والاعتدال، بعيداً عن الخطابات المتطرفة أو الشعبوية.

إن الندوة العلمية التي احتضنها مسجد المحسنين ببروكسيل لا يمكن قراءتها كحدث عابر، بل كجزء من مسار متكامل لإعادة الاعتبار للعلم الشرعي في سياق الهجرة. فهي تجربة تؤكد أن الاستثمار في المعرفة الدينية الرصينة يظل أحد أنجع السبل لتحصين الجاليات المسلمة، وبناء تدين واعٍ، قادر على التفاعل الإيجابي مع محيطه، دون التفريط في جوهره وقيمه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com