المحكمة العليا الإسبانية تُعيد رسم حدود سلطة التنظيم في ملف الهجرة: قراءة

بوشعيب البازي

Screenshot

في قرار قضائي لافت يُعد من أبرز الأحكام في ملف الهجرة خلال السنوات الأخيرة، أقدمت Tribunal Supremo على إبطال المقتضى الذي كان يسمح بسحب الإقامة المؤقتة من الأجانب في حال تجاوز مدة غيابهم عن إسبانيا ستة أشهر خلال سنة واحدة. وقد دخل هذا القرار حيّز التنفيذ فور نشره في Boletín Oficial del Estado، واضعًا حدًا لقاعدة تنظيمية أثارت جدلًا قانونيًا واسعًا وأثّرت عمليًا على أوضاع آلاف المقيمين.

يتعلق الحكم تحديدًا بإلغاء المادة 162.2.e من Real Decreto 557/2011، وهو المرسوم الذي ينظّم تطبيق قانون الأجانب في إسبانيا. وكان هذا النص ينص على الإلغاء التلقائي للإقامة المؤقتة إذا تجاوز صاحبها ستة أشهر من الغياب خارج التراب الإسباني خلال فترة اثني عشر شهرًا. وبموجب القرار الجديد، لم يعد هذا السبب كافيًا وحده لإسقاط حق الإقامة.

من الناحية الدستورية، استندت المحكمة العليا إلى أن هذا القيد يمسّ بشكل مباشر بالحق في حرية التنقّل، وهو حق مكفول بموجب Constitución Española. وأكدت المحكمة أن تقييد الحقوق الأساسية لا يمكن أن يتم عبر نص تنظيمي صادر عن السلطة التنفيذية، بل يقتضي سنّ قانون عضوي صادر عن البرلمان، احترامًا لمبدأ الشرعية القانونية وتسلسل القواعد القانونية. وبما أن المقتضى الملغى ورد في مرسوم تنظيمي وليس في قانون عضوي، فقد اعتُبر مخالفًا للدستور.

عمليًا، يمنح هذا الحكم هامشًا أكبر من المرونة القانونية لحاملي الإقامة المؤقتة، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها سوق الشغل وأنماط العيش، من قبيل انتشار العمل عن بُعد، أو وجود ظروف عائلية أو صحية تستوجب الإقامة لفترات طويلة خارج إسبانيا، أو الالتزامات المهنية والتكوينية العابرة للحدود. ويعزّز القرار، في هذا السياق، نوعًا من الاستقرار القانوني الذي كان مفقودًا لدى فئات واسعة من المقيمين.

ومع ذلك، يجدر التنبيه إلى أن الحكم لا يعني رفع جميع القيود المرتبطة بالإقامة المؤقتة، إذ تظل باقي الشروط القانونية قائمة، بما في ذلك متطلبات العمل أو الدراسة أو الروابط الأسرية أو توفر الموارد المالية. فإبطال المحكمة انحصر حصريًا في سبب الإلغاء المرتبط بمدة الغياب، دون المساس ببقية الالتزامات القانونية.

في بعده المؤسساتي، يرسم هذا القرار حدودًا واضحة بين ما يمكن للحكومة تنظيمه عبر لوائح تنفيذية، وما يتطلب تدخلًا تشريعيًا مباشرًا من السلطة التشريعية. ويرى عدد من المتابعين أن الحكم قد يشكّل سابقة قضائية مهمة، من شأنها فتح النقاش حول مراجعة بعض جوانب منظومة الهجرة مستقبلاً، بما يضمن توازنًا أدق بين متطلبات الضبط الإداري وحماية الحقوق الأساسية للأجانب المقيمين في إسبانيا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com