يُفترض أن يشكّل شهر رمضان لحظةً روحية جامعة، تُستعاد فيها قيم السكينة والتكافل والانضباط الأخلاقي. غير أن الارتباكات المتكررة في الإعلان عن بداية الشهر الفضيل من طرف بعض المساجد والمجالس العلمية المحلية، فتحت الباب أمام ممارسات مثيرة للجدل، تمسّ جوهر العبادة وتفرغها من بعدها الرمزي. فقد أضحى أداء الصلاة في بعض المساجد مشروطًا بأداء مبلغ مالي يصل إلى 180 يورو، في ظاهرة غير مسبوقة، سواء في بلجيكا أو في هولندا.
ارتباك المرجعية وبداية الانزلاق
إن الخلافات حول إثبات هلال رمضان، سواء بسبب تضارب المرجعيات الفقهية أو ضعف التنسيق المؤسسي، لا تقتصر آثارها على البعد الزمني للصيام، بل تمتد إلى إضعاف ثقة المصلين في المؤسسات الدينية نفسها. هذا الارتباك خلق فراغًا رمزيًا وتنظيميًا، استغلته بعض الجهات لتحويل المسجد من فضاء تعبدي مفتوح إلى فضاء مشروط بالدفع، تحت مبررات “الشفافية”، “التسيير”، أو “تكاليف الخدمات”.
غير أن هذه المبررات، مهما كانت صيغتها، تصطدم مباشرة بمبدأ أصيل في الفقه الإسلامي: المسجد وقفٌ عام، والعبادة لا تُباع ولا تُشترى.
تسليع الشعيرة الدينية
إن فرض مقابل مالي لأداء الصلاة، خصوصًا في شهر رمضان، يمثل انتقالًا خطيرًا من منطق الخدمة الدينية إلى منطق السوق. فالصلاة، باعتبارها عبادة فردية وجماعية، لا يمكن إدراجها ضمن منطق العرض والطلب دون المساس بأخلاقيات الدين ومقاصده.
هذا التحول يعكس بروز نمط جديد من “تجار الدين”، ممن يخلطون بين متطلبات التسيير المادي للمساجد وبين شرعنة فرض الرسوم على الشعائر نفسها. والنتيجة هي تشييء العبادة، وتحويل العلاقة بين المؤمن والمسجد إلى علاقة زبون بمؤسسة.
الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية
من الناحية الاجتماعية، يُنتج هذا السلوك تمييزًا غير معلن بين المصلين: من يستطيع الدفع ومن لا يستطيع. وهو ما يتعارض كليًا مع فلسفة المسجد كمكان للمساواة، حيث يقف الغني والفقير في صف واحد، دون امتيازات.
أما أخلاقيًا، فإن تسويق الصلاة تحت شعار “الشفافية” لا يعدو أن يكون توظيفًا لغويًا يُخفي واقعًا مقلقًا: استغلال المشاعر الدينية في موسم تعبدي لتحقيق مكاسب مالية.
الدين والدنيا: حدود ضرورية
لا يجادل أحد في أن تسيير المساجد يتطلب موارد مالية، وأن الجاليات المسلمة في أوروبا تواجه تحديات حقيقية في التمويل. لكن الفرق جوهري بين الدعوة الطوعية إلى التبرع وبين فرض مقابل مالي مقابل العبادة. الأول يندرج ضمن التكافل، أما الثاني فيقع في دائرة الابتزاز الرمزي.
إن الخلط بين الدين والدنيا، في هذا السياق، لا يضر فقط بصورة المؤسسات الدينية، بل يسيء إلى الدين ذاته، ويحوّل القيم الروحية إلى أدوات استهلاكية.
ما يحدث في بعض مساجد بلجيكا وهولندا خلال شهر رمضان ليس مجرد “سوء تدبير”، بل مؤشر على أزمة أعمق في الحوكمة الدينية والمرجعية الأخلاقية. فحين تصبح الصلاة مؤدى عنها، يفقد المسجد معناه، ويفقد الدين أحد أهم أسلحته الرمزية: المجانية، والصفاء، والمساواة.
إن إعادة الاعتبار لقدسية العبادة تقتضي وضوحًا مؤسسيًا، وفصلًا صارمًا بين التسيير المالي والشعائر الدينية، ومساءلة أخلاقية لتجار الدين الذين لم يعودوا يميزون بين قدسية المحراب وحسابات السوق.