بين الضغط العسكري والفضول السياسي: قراءة تحليلية في مقاربة إدارة ترامب لإيران ومسارات الحرب الروسية–الأوكرانية
بوشعيب البازي
تعكس تصريحات المبعوث الرئاسي الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف ملامح مقاربة سياسية–أمنية مركبة تعتمدها إدارة دونالد ترامب في التعامل مع الملفات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والتوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، بالتوازي مع السعي لإعادة تموقع الولايات المتحدة كوسيط فاعل في الحرب الروسية–الأوكرانية.
في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، كشف ويتكوف أن الرئيس الأميركي يبدي “فضولاً سياسياً” إزاء ما وصفه بـ“عدم استسلام” إيران، رغم الضغوط الاقتصادية القصوى، والتصعيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، والحشد البحري المكثف في محيطها الإقليمي. ويعكس هذا التصريح انتقال الخطاب الأميركي من منطق الردع الصريح إلى تساؤل استراتيجي حول حدود الصمود الإيراني وكلفته.
وفي ما يتعلق بالملف النووي، شدد ويتكوف على وجود “خطوط حمراء” واضحة رسمها ترامب لفريقه، على رأسها منع أي مستوى من تخصيب اليورانيوم، واستعادة كل المستلزمات التقنية المرتبطة به. وتنسجم هذه المقاربة مع الرؤية الأميركية التقليدية التي تعتبر أن امتلاك إيران لقدرات تخصيب متقدمة يشكل تهديداً مباشراً لمنظومة عدم الانتشار النووي، حتى وإن أعلنت طهران أن برنامجها موجّه لأغراض سلمية، كإنتاج الطاقة الكهربائية.
وتذهب واشنطن، بدعم من إسرائيل، إلى أن مستويات التخصيب التي بلغتها إيران تتجاوز بكثير الاحتياجات المدنية. وفي هذا السياق، حذّر ويتكوف من أن إيران قد تحتاج “أسبوعاً واحداً فقط” للحصول على مواد كافية لصنع قنبلة نووية بمستوى صناعي، معتبراً ذلك “خطراً لا يمكن السماح به”. ويعكس هذا التقدير تصعيداً في الخطاب الأميركي، يهدف إلى تبرير استمرار سياسة الضغط القصوى وإبقاء الخيار العسكري مطروحاً.
غير أن اللافت في تصريح المبعوث الأميركي هو استخدامه لمفهوم “الفضول” بدلاً من لغة الإنذار التقليدية. فترامب، بحسب ويتكوف، يتساءل عن سبب عدم إعلان طهران بشكل صريح أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، رغم كل مظاهر القوة الأميركية في المنطقة. ورغم تحفّظه عن استعمال مصطلح “الاستسلام”، فإن مضمون التساؤل يعكس تصوراً أميركياً يعتبر أن ميزان القوة الحالي كان يفترض أن يدفع إيران إلى تقديم تنازلات سياسية واضحة.
وفي بعدٍ آخر من المقاربة الأميركية، كشف ويتكوف أنه التقى، بتوجيه من ترامب، رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق. ورغم وصفه له بـ“الشخصية القوية” والمهتمة بمستقبل بلاده، شدد المبعوث الأميركي على أن اللقاء لا يعكس تبنياً لخيارات سياسية بديلة، بقدر ما يندرج ضمن سياسة استكشافية لا تفصل بين الضغط الخارجي وإمكانية التغيير الداخلي، دون إعلان صريح عن تبني خيار تغيير النظام.
وتأتي هذه التصريحات في سياق إقليمي متوتر، حيث كثفت الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة من وجودها العسكري في الشرق الأوسط، ولوّحت بإمكانية تنفيذ عمل عسكري لإجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي والصاروخي، وعن دعمها لما تصفه واشنطن بـ“الوكلاء” في المنطقة. في المقابل، ترى طهران أن هذه التحركات ليست سوى ذرائع للتدخل وتغيير النظام، وتؤكد تمسكها برفع العقوبات الاقتصادية مقابل فرض قيود متفاوض عليها على برنامجها النووي، مع توعدها بالرد على أي هجوم عسكري.
وعلى صعيد آخر، تطرّق ويتكوف إلى الحرب الروسية–الأوكرانية، واصفاً إياها بـ“الحرب العبثية”، معتبراً أن جوهر الخلاف يتمحور حول مسألة الأراضي. وأشار إلى أن الطرفين، رغم ضراوة المواجهات، لا يرغبان فعلياً في استمرار القتال، غير أن صعوبات على مستوى القيادات السياسية تعرقل المسار الدبلوماسي.
وفي هذا الإطار، رجّح ويتكوف أن تنتهي الحرب بعقد قمة مباشرة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، مع احتمال تطور المسار نحو لقاء ثلاثي يضم أيضاً ترامب، في حال نضجت شروط التسوية.
وتندرج هذه التصريحات في سياق الجهود الدبلوماسية الجارية، حيث احتضنت جنيف الجولة الثالثة من المحادثات الرامية لإنهاء الحرب، بعد جولتين سابقتين بوساطة أميركية في أبوظبي. وقد شارك في هذه المفاوضات مسؤولون رفيعو المستوى، في محاولة لإعادة إحياء مسار تفاوضي متعثر منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022.
خلاصة القول، تكشف تصريحات ويتكوف عن مقاربة أميركية مزدوجة تجمع بين الضغط الصارم والبراغماتية السياسية، سواء في التعامل مع إيران أو في إدارة الصراع الروسي–الأوكراني. وهي مقاربة تعكس رؤية إدارة ترامب للعلاقات الدولية بوصفها مجالاً لاختبار توازنات القوة، حيث يُستخدم الضغط العسكري والاقتصادي كأداة لفتح مسارات تفاوضية، لا كغاية نهائية بحد ذاتها، في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو تعددية قطبية معقّدة.