أثار توقيف ضابط شرطة إيطالي بتهمة القتل، على خلفية إطلاقه النار على شاب مغربي، موجة جدل سياسي وقانوني واسعة في إيطاليا، تجاوزت أبعادها القضائية لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بعلاقة السلطة بالأمن، وبحدود توظيف الحوادث الجنائية في الصراع السياسي، خصوصًا في ظل حكومة يمينية تقودها جورجيا ميلوني.
القضية تعود إلى أواخر يناير 2026، حين قُتل الشاب المغربي عبد الرحيم منصوري، البالغ من العمر 28 عامًا، برصاصة في الرأس أطلقها كارميلو سينتورينو، نائب رئيس مركز شرطة ميسينات قرب ميلانو، خلال دورية لمكافحة المخدرات. ووفق الرواية الأولية للضابط، فإن إطلاق النار جاء بدافع الدفاع عن النفس، بعد أن زعم أن الضحية أشهر سلاحًا في وجهه.
غير أن تطورات التحقيق التي يقودها الادعاء العام في ميلانو قلبت هذه الرواية رأسًا على عقب. فقد أكد المدعون أن شهادات شهود عيان نفت بشكل قاطع وجود أي سلاح بحوزة الشاب المغربي لحظة إطلاق النار، مشيرين إلى أنه كان يحاول الفرار. كما أشار التحقيق إلى أن السلاح الذي عُثر عليه في مكان الحادث كان يحتوي على ذخيرة فارغة، مع ترجيح فرضية وضعه لاحقًا في مسرح الجريمة لدعم رواية الدفاع الشرعي.
أمام هذه المعطيات، وجّه الادعاء تهمة القتل إلى الضابط سينتورينو، الذي قدّم اعتذارًا عبر محاميه، معترفًا بارتكاب “خطأ جسيم” أثناء أداء واجبه، ومؤكدًا أن إطلاق النار كان بدافع الخوف وليس بدافع تحقيق منفعة شخصية، نافيًا في الوقت ذاته أي شبهة مالية مرتبطة بالحادث.
على المستوى السياسي، سارعت رئيسة الوزراء الإيطالية إلى التعليق على القضية، معتبرة أن ثبوت الاتهامات سيجعل من الواقعة “جريمة خطيرة وخيانة لكرامة وهيبة قوات الأمن”. هذا الموقف، رغم لهجته الحازمة، لم يمنع المعارضة من توجيه اتهامات مباشرة للحكومة بمحاولة توظيف الحادث في سياق أوسع يخدم أجندتها السياسية.
فقد اتهمت إيلي شلين، زعيمة الحزب الديمقراطي، الحكومة بالسعي إلى “استغلال القضية سياسيًا”، معتبرة أن الخطاب الرسمي يحاول تحويل واقعة فردية خطيرة إلى أداة لإعادة إنتاج سردية أمنية تخدم التيار اليميني. أما جوزيبي كونتي، زعيم حركة خمس نجوم ورئيس الوزراء السابق، فذهب أبعد من ذلك، واصفًا تعامل الحكومة مع الملف بـ“الخطأ الجسيم” الذي يهدف، حسب تعبيره، إلى تمرير قوانين أمنية وتشريعات مثيرة للجدل تحت ضغط العاطفة العامة والخوف المجتمعي.
تكشف هذه القضية، في بعدها البنيوي، عن إشكالية مزدوجة تواجه الديمقراطيات الأوروبية المعاصرة: من جهة، ضرورة ضمان المحاسبة الصارمة لأفراد أجهزة إنفاذ القانون عندما يثبت تجاوزهم لاستخدام القوة، ومن جهة أخرى، خطر الانزلاق نحو تسييس الأمن واستثمار المآسي الفردية في معارك شعبوية قصيرة الأمد.
وبينما يبقى الفصل النهائي في القضية بيد القضاء الإيطالي، فإن تداعياتها السياسية والإعلامية تؤكد أن مسألة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، خصوصًا في سياق الهجرة والأقليات، تظل هشّة وقابلة للاهتزاز، كلما غابت الشفافية، أو طغت الحسابات السياسية على مقتضيات العدالة وسيادة القانون.