مرة أخرى، يثبت النقاش العمومي المغربي أنه لا يحتاج إلى زلزال سياسي ولا إلى أزمة اقتصادية خانقة كي ينفجر؛ يكفي تصريح، مدروس التوقيت والوظيفة، حتى تتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى مختبر تجارب مفتوح، تُختبر فيه قابلية المجتمع لهضم قرارات لم تُتخذ بعد، لكنها في طور “التحضير النفسي”.
إعلان الكاتبة والفاعلة المدنية مايسة سلامة الناجي عدم صيامها منذ عشر سنوات لم يكن، في تقديري، مجرد “اعتراف شخصي شجاع” كما رُوّج له، ولا هو زلة لسان بريئة في لحظة صدق وجودي. بل يندرج ضمن نمط متكرر في تدبير النقاشات الحساسة: إخراج شخصية مدنية إلى الواجهة، لإطلاق تصريح صادم، يُقاس عبره منسوب الرفض والغضب، تمهيدا لإجراءات أو تعديلات قانونية يراد تمريرها لاحقا بأقل كلفة اجتماعية ممكنة.
في هذا السياق، جاء إعلان الفاعلة المدنية مايسة سلامة الناجي عدم صيامها منذ عشر سنوات. تصريح قُدِّم، في ظاهره، باعتباره شأنا شخصيا صادقا، لكنه في عمقه لم يكن بريئا من حيث الوظيفة. فالجهر بالإفطار في مجتمع محافظ، وفي شهر مشحون رمزيا كرمضان، لا يُقرأ فقط كاختيار فردي، بل كفعل تواصلي صادم، يُراد به اختبار مدى استعداد المجتمع لتطبيع فكرة الجهر بالمخالفة الدينية.
وكما هو متوقع، انقسم الفضاء الرقمي بين رافض يرى في التصريح استفزازا غير مبرر للشعور العام، ومدافع يعتبره ممارسة مشروعة لحرية فردية لا تلزم سوى صاحبتها. غير أن هذا الانقسام، في حد ذاته، هو الهدف الأول من مثل هذه التصريحات: خلق صراع رمزي يُسهل لاحقا إعادة ترتيب النقاش داخل قوالب جاهزة.
أحمد عصيد… حين يتحول “التحليل” إلى وظيفة دفاعية
في خضم هذا الجدل، خرج الباحث والكاتب أحمد عصيد، كعادته، لا ليطرح أسئلة إشكالية جديدة، بل ليؤدي دور “المُبرّر العقلاني” لما تم إطلاقه سلفا. تدوينته، التي اعتبر فيها أن الغضب مبالغ فيه وأن التصريح لا يدعو إلى مقاطعة شعيرة دينية، تعكس ما يمكن تسميته أكاديميا بـالوساطة الخطابية الوظيفية: أي تلطيف الصدمة، وإعادة تأطيرها داخل قاموس الحريات الفردية، مع تحميل المجتمع وزر “الحساسية المفرطة”.
عصيد هنا لا يقرأ المجتمع كما هو، بل كما ينبغي أن يكون وفق تصوره الإيديولوجي؛ مجتمع افتراضي متصالح مع كل أشكال الجهر بالاختلاف، حتى تلك التي تُستعمل عمدا للاستفزاز الرمزي. وهو، في ذلك، لا يختلف كثيرا عن طبيب يوبخ مريضا لأنه تألم من إبرة حُقنت دون استئذان.
القانون الجنائي… شماعة جاهزة لكل جدل
كالعادة، يُستدعى القانون الجنائي لسنة 1962 إلى قفص الاتهام، وكأنه وحده المسؤول عن كل توتر اجتماعي. يتم تجاهل حقيقة أن النصوص القانونية، مهما بدت متقادمة، لا تشتغل في فراغ، بل داخل نسيج ثقافي وتاريخي وديني معقد. تحويل النقاش إلى معركة “نصوص” فقط، هو في جوهره اختزال مخلّ يهدف إلى تمرير فكرة أن العائق قانوني، بينما الإشكال في الحقيقة مجتمعي-تواصلي-سياسي
هنا، دخل الباحث والكاتب أحمد عصيد على الخط، لا بصفته مفكرا مستقلا يطرح أسئلة جديدة، بل كمُعادِل خطابي للصدام. تدوينته، التي قلل فيها من حجم الغضب واعتبره مبالغا فيه، ليست سوى حلقة مألوفة في سلسلة تبريرية، تُحوِّل المجتمع إلى متهم دائم بالحساسية الزائدة، وتُنزِّه الفعل الصادم من أي مسؤولية أخلاقية أو رمزية.
عصيد، في تحليله، يتعامل مع المجتمع المغربي كما لو كان كيانا افتراضيا متجانسا مع أطروحته، لا كما هو في واقعه المتعدد والمركب. فهو لا يناقش أثر الجهر بالمخالفة، بل يدافع عن حق الجهر ذاته، متجاهلا أن الحرية، في المجال العام، ليست مجرد نص قانوني، بل توازن دقيق بين الفرد والجماعة.
وكالعادة، يُستحضر القانون الجنائي لسنة 1962 باعتباره أصل كل الإشكالات، فيتم تبسيط النقاش إلى معادلة قانونية صرفة، وكأن تغيير النص وحده كفيل بتغيير البنية الثقافية والاجتماعية. هذا الاختزال المتعمد يخدم خطابا معينا، لكنه لا يخدم نقاشا عموميا ناضجا.
الأخطر في هذا المسار، ليس تصريح مايسة سلامة في حد ذاته، بل ما يليه. فبعد إطلاق “بالون الاختبار”، يخرج المدافعون والمنصفون لإعادة إدخاله ضمن خانة الحريات الشخصية، ثم يُقدَّم لاحقا أي إجراء أو نقاش قانوني على أنه تحصيل حاصل لنقاش مجتمعي سابق، رغم أن ذلك النقاش لم يكن، في كثير من الأحيان، سوى تمرين في قياس الصدمة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالصيام أو الإفطار، ولا بأحمد عصيد أو مايسة سلامة كأشخاص، بل بطريقة تدبير القضايا الحساسة في المغرب. فحين تُستعمل الحرية كأداة صدم، والمجتمع كحقل تجارب، يصبح السؤال الحقيقي: هل نريد نقاشا عموميا صادقا، أم مجرد تمهيد ناعم لقرارات جاهزة؟
ذلك هو جوهر الإشكال، وكل ما عداه تفاصيل قابلة لإعادة التدوير.