المغرب يعيد رسم خريطة شراكاته الدفاعية… وفرنسا تبحث عن موطئ قدم ضائع

بوشعيب البازي

منذ أن اختار المغرب، خلال السنوات الأخيرة، الانخراط بوضوح في مسار تعزيز السيادة الدفاعية عبر تنويع شركائه في الصناعات العسكرية وفتح المجال أمام نقل التكنولوجيا وبناء قاعدة صناعية وطنية، دخلت علاقاته التقليدية مع بعض المزوّدين التاريخيين مرحلة إعادة ضبط عميقة. وفي قلب هذه التحولات، تجد فرنسا نفسها مطالَبة بإعادة تعريف موقعها داخل سوق دفاعية مغربية باتت أكثر تنافسية، وأكثر ارتباطًا بالاعتبارات الاستراتيجية بعيدة المدى.

وفق تقرير حديث نشرته منصة Africa Intelligence، كثّفت باريس تحركاتها الدبلوماسية والصناعية في اتجاه الرباط، في محاولة لاستعادة نفوذ فقدته تدريجيًا، لصالح فاعلين جدد استطاعوا التكيّف بسرعة أكبر مع الرؤية المغربية الجديدة في مجال التسلح.

دبلوماسية السلاح… ومحاولة استعادة الثقة

في هذا السياق، أجرى وفد رفيع من Direction générale de l’armement (DGA) محادثات مطوّلة في الرباط مع مسؤولين من القوات المسلحة الملكية، في لقاءات وُصفت بأنها تقنية واستشرافية، وهدفت إلى بحث آفاق التعاون في مجالات التسلح والتجهيزات العسكرية.

وتندرج هذه التحركات ضمن دينامية أوسع، تُوّجت بإحداث لجنة أسلحة مشتركة في يوليو الماضي، بمبادرة من المديرية العامة للأسلحة الفرنسية، تروم تعزيز التعاون الصناعي ونقل الخبرات، والمساهمة في تطوير القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية المغربية. وقد حمل هذا التوجه رسالة واضحة مفادها أن باريس لا ترغب في الاكتفاء بدور المورّد، بل تسعى إلى الاندماج في المنظومة الصناعية الجديدة التي تعمل الرباط على تشييدها.

قراءة استراتيجية: فرنسا في مواجهة واقع جديد

في تصريح تحليلي يعكس طبيعة المرحلة، يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد أن فرنسا تجد نفسها اليوم أمام منافسة شرسة داخل السوق المغربية، دفعتها إلى محاولة استرجاع مكانتها التقليدية في مجال مبيعات السلاح، مستندة إلى الإرث السياسي والعسكري الذي طبع العلاقات الثنائية منذ فترة الحماية وما بعدها.

غير أن هذا الإرث، بحسب القراءة الجيو-استراتيجية، لم يعد كافيًا. فاختيار الرباط لسياسة تنويع الشركاء لم يكن قرارًا تقنيًا ظرفيًا، بل خيارًا سياديًا يهدف إلى تقليص التبعية، وتعزيز هامش المناورة الاستراتيجية، وربط التسلح بنقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي.

ويضيف معتضد أن المغرب قد يكون مهتمًا ببعض المنظومات الفرنسية النوعية، مثل مقاتلات Rafale، ومروحيات Caracal، فضلًا عن العربات والمدرعات التي أثبتت فعاليتها في بيئات جغرافية معقّدة. غير أن هذه الإمكانيات، مهما بلغت جودتها، تبقى رهينة بمدى استعداد باريس لتقديم عروض تتماشى مع الشروط المغربية الجديدة.

البعد المالي… مفتاح الشراكة الجديدة

ويشير تقرير Africa Intelligence إلى أن المفاوضات الجارية لا تقتصر على الجوانب التقنية، بل تشمل بلورة آليات مالية مبتكرة، من بينها مقترح إنشاء منظومة لتجميع التعويضات الصناعية (Offsets) الخاصة بالشركات الدفاعية الفرنسية العاملة في المغرب، في إطار عقود التسلح الكبرى.

هذا الطرح يعكس إدراكًا فرنسيًا متأخرًا بأن البعد المالي والاستثماري بات عنصرًا حاسمًا في أي شراكة دفاعية طويلة الأمد، خصوصًا في ظل توجه المغرب نحو تطوير مناطق صناعية دفاعية متمركزة حول بنسليمان وبرشيد، المصنّفتين كمناطق ذات أولوية استراتيجية.

عروض صناعية… واختبار الجاذبية الفرنسية

ورافقت هذه الدينامية وفود تمثل مجموعات صناعية فرنسية كبرى، قدّمت عروضًا تشمل غواصات من مجموعة Naval Group، وأنظمة رادار من Thales، وتجميع مركبات مدرعة عبر Arquus، إضافة إلى صيانة مروحيات كاراكال التابعة لمجموعة Airbus.

في المقابل، يعكس غياب بعض الفاعلين، مثل مجموعة KNDS، التي خسرت صفقة مدافع “سيزار” لصالح نظام تابع لشركة Elbit Systems، حجم التحول الذي طرأ على موازين المنافسة داخل السوق المغربية.

تُظهر هذه التطورات أن المغرب لم يعد ساحة تقليدية لتصريف السلاح، بل فاعلًا واعيًا يعيد هندسة علاقاته الدفاعية وفق منطق السيادة، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات الذاتية. أما فرنسا، فهي أمام اختبار حقيقي: إما التكيّف مع هذا الواقع الجديد عبر شراكة متوازنة وطموحة، أو الاكتفاء بدور ثانوي في منظومة دفاعية مغربية تتجه بثبات نحو التعدد، والبراغماتية، والاستقلال الاستراتيجي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com