في بلدٍ يتخبط في أزمات اقتصادية خانقة، واحتقان اجتماعي مزمن، وانسداد سياسي يكاد يكون بنيويًا، لم تجد السلطة في الجزائر حلًا أكثر إبداعًا من… سحب الجنسية.
هكذا، وبدل فتح ورشات الإصلاح الحقيقي، اختارت الدولة اللجوء إلى مقصّ قانوني جديد، يَعِدُ الجزائريين بعلاج كل أوجاعهم عبر إجراء واحد: تجريد “غير المرغوب فيهم” من الانتماء القانوني للوطن.
المرسوم الذي وقّعه الرئيس عبد المجيد تبون، ودخل حيّز التنفيذ هذا الأسبوع، لا يبدو في جوهره إلا محاولة يائسة لإعادة تعريف الوطنية، ليس على أساس المشاركة أو العقد الاجتماعي، بل على قاعدة الطاعة، الصمت، والولاء غير المشروط.
سياسة الهروب إلى الأمام
بين تضخم ينهش القدرة الشرائية، وبطالة شبابية متفشية، واقتصاد ريعي يراوح مكانه، وسلطة عاجزة عن إنتاج نموذج تنموي مقنع، اختارت الجزائر الرسمية أسهل الطرق: تجريم الخارج بدل إصلاح الداخل.
فحين تعجز الدولة عن إقناع مواطنيها، تسعى إلى معاقبتهم.
وحين تفشل في احتواء المعارضة، تقرر نفيها قانونيًا.
وحين لا تجد حلًا للأزمات، تعلن الحرب على “الهوية”.
القانون الجديد لا يعالج أيًا من أسباب الغضب الشعبي، لكنه يمنح السلطة أداة إضافية لإدارة الخوف، وردع المعارضين في الخارج، وتحويل الخلاف السياسي إلى ملف أمني ــ قضائي.
من الجنسية إلى الامتياز
الأخطر في النص ليس فقط توسيع حالات التجريد، بل تحويل الجنسية من حق أصلي إلى امتياز قابل للسحب.
فالمعيار لم يعد الانتماء، بل “حسن السلوك السياسي” وفق تعريف السلطة.
يكفي اتهام فضفاض بـ“الإضرار بالمصالح العليا”، أو “المساس بالوحدة الوطنية”، حتى يصبح المواطن مشروع منفيّ، ولو كان مولودًا جزائريًا، عاش جزائريًا، وتنفّس جزائريًا.
والمفارقة أن الدولة التي فشلت في حماية حدودها الاقتصادية، تريد اليوم حماية “وحدة الوطن” بسحب الأوراق الثبوتية.
معارضة في الخارج… وذريعة في الداخل
لا يخفي القانون الجديد استهدافه الواضح لحركات معارضة مصنّفة “إرهابية” من قبل السلطات، وعلى رأسها حركة رشاد، ذات التوجه الإسلامي، وحركة ماك الانفصالية.
لكن بدل معالجة الأسباب السياسية التي دفعت هذه الحركات إلى الظهور أصلًا — الانغلاق، الإقصاء، غياب التعددية — اختارت السلطة الحل الأسهل: إلغاء المواطنة بدل إصلاح الدولة.
فهل سيؤدي نزع الجنسية إلى اختفاء المعارضة؟
أم إلى مزيد من تدويل الملف الجزائري، وتحويل المعارضين إلى “ضحايا بلا وطن”؟
دولة تخشى مواطنيها
من زاوية جيو-سياسية، يعكس هذا القانون تحول الدولة الجزائرية من منطق الشرعية إلى منطق التحصّن.
الدولة لم تعد واثقة من قدرتها على الإقناع، فاختارت الردع.
ولم تعد تراهن على الإجماع، فاستثمرت في الإقصاء.
إنها دولة تخشى مواطنيها أكثر مما تخشى أزماتها، وتفضّل إسكات الأصوات بدل سماعها، وملاحقة الخارج بدل إصلاح الداخل.
… ولكن واقعية
في الجزائر، لم تُحلّ أزمة الاقتصاد، ولا أزمة الحكم، ولا أزمة الثقة.
لكن تم حلّ “مشكلة الجنسية”.
وحين تعجز السلطة عن بناء دولة يشعر فيها المواطن بالانتماء،
تقرّر ببساطة… سحب الانتماء من المواطن.
هكذا، وبمرسوم رئاسي،
تحوّل الفشل السياسي إلى إجراء قانوني،
وأصبحت الجنسية آخر ما تبقّى ليُسحب،
بعد أن سُحبت السياسة، والاقتصاد، والأمل.