دبلوماسية المقايضة بدل منطق القوة: قراءة أكاديمية في تحولات السلوك الخارجي الجزائري

مجدي فاطمة الزهراء

Screenshot

يتكرر المشهد ذاته في السياسة الخارجية الجزائرية بانتظام يكاد يكون بنيويًا: خطاب تصعيدي حاد، استعراض للقوة السيادية، ورفع “النيف” إلى مرتبة العقيدة الدبلوماسية، قبل أن تنتهي الأزمة، بهدوء نسبي، إلى تسويات قائمة على المقايضة والتنازل وتحمّل كلفة سياسية ومالية مرتفعة. من أوروبا إلى الساحل، تكشف الأزمات المتعاقبة أن ما يُقدَّم باعتباره “حزمًا استراتيجيًا” لا يصمد طويلًا أمام اختلالات موازين القوى وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية.

من دبلوماسية الحزم إلى منطق التراجع المحسوب

على مدى سنوات، بنى النظام الجزائري سرديته الخارجية على خطاب السيادة الصلبة: استدعاء السفراء، قطع العلاقات، تجميد الاتفاقيات، إغلاق الأجواء، وتعبئة الذاكرة التاريخية. غير أن تتبع مآلات هذه الأزمات يكشف نمطًا متكررًا: تصعيد بلا أفق استراتيجي، يعقبه تراجع صامت، غالبًا دون تحقيق أي مكسب سياسي ملموس. هذا التحول لا يعكس مجرد مرونة تكتيكية، بل يشير إلى أزمة أعمق في تصور الدور الإقليمي ومحدودية أدوات التأثير.

الحالة الفرنسية: التصعيد دون عائد

تُعد الحلقة الفرنسية الأكثر دلالة على هذا المسار. فعندما أعلنت باريس دعمها الصريح لسيادة المغرب على الصحراء، كان رد الفعل الجزائري فوريًا وعنيفًا. غير أن هذا التصعيد بلغ ذروته خلال اللقاء الذي جمع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش قمة مجموعة السبع في باري، حيث اعتُبر القرار الفرنسي “تجاوزًا للخطوط الحمراء”.

شهادات عميد مسجد باريس الكبير شمس الدين حفيظ، الواردة في وثائقي “تكملة التحقيق” على قناة فرانس 2، أبرزت البعد الرمزي للإهانة الاستراتيجية التي شعرت بها الجزائر. لكن بعد أكثر من 18 شهرًا من القطيعة والتوتر، عادت الاتصالات، واستؤنف التعاون الأمني، واختفت فجأة “قضية الصحراء” من جدول الخلاف، دون أن تغيّر باريس موقفها قيد أنملة.

زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر وتصريحاته من قصر المرادية شكّلت مؤشرًا واضحًا على انقلاب ميزان الخطاب: الجزائر تعود للتعاون في ملفات الأمن والهجرة، بينما تفرض فرنسا أولوياتها، دون مقابل سياسي جزائري يُذكر.

السابقة الإسبانية: تكرار السيناريو

لا يختلف المسار كثيرًا في الأزمة مع إسبانيا. فبعد دعم مدريد لمقترح الحكم الذاتي المغربي، لجأت الجزائر إلى استدعاء السفير وتجميد معاهدة الصداقة وفرض قيود اقتصادية. لكن سرعان ما عادت العلاقات التجارية والدبلوماسية تدريجيًا، ليتحوّل “الرد السيادي” إلى تسوية صامتة، تاركًا أثرًا إضافيًا على مصداقية السياسة الخارجية الجزائرية.

الساحل: من الزعامة إلى سياسة الشيكات

في منطقة الساحل، اتخذ التحول بعدًا أكثر وضوحًا. فبعد قطيعة حادة مع النيجر عقب تغيير النظام في نيامي، عادت الجزائر إلى فتح قنوات التواصل، واستقبلت الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني في فبراير، معلنة حزمة التزامات مالية وتنموية تتجاوز 50 مليون يورو. شملت هذه الالتزامات مشاريع صحية وتعليمية وبنيوية، إلى جانب وعود بالمشاركة في مشاريع طاقية كبرى، مثل خط أنابيب الغاز العابر للصحراء.

الدلالة السياسية هنا بالغة: لم تعد الجزائر هي من يحدد الإطار، بل الطرف المقابل هو من يعرض الشروط. لقد انتقلت من خطاب التأثير والزعامة الإقليمية إلى منطق الإقناع عبر التمويل، في اعتراف ضمني بتآكل النفوذ الرمزي.

مالي وأزمة الوساطة

أما مع مالي، فالأزمة أكثر تعقيدًا. فقد انتقدت باماكو الدور الجزائري في اتفاقيات السلام، معتبرة أن الوساطة الجزائرية افتقرت إلى الحياد. ومع ابتعاد مالي عن دائرة النفوذ الجزائري وتنويع شراكاتها الأمنية، تبدو أي محاولة لإعادة تطبيع العلاقات مشروطة ليس فقط بالمال، بل بإعادة صياغة شاملة للعقيدة الإقليمية الجزائرية.

دلالات بنيوية لتحول عميق

تُظهر هذه الحالات مجتمعة أن الجزائر تواجه تراجعًا بنيويًا في قدرتها على فرض أجندتها. في ملف الصحراء، انتقل مركز الثقل الدبلوماسي نهائيًا إلى المغرب. وفي الساحل، يتقلص النفوذ الجزائري لصالح فاعلين جدد. وفي أوروبا، تترسخ صورة شريك متقلب وغير قابل للتنبؤ.

إن ما نشهده لا يعكس مجرد تغير قسري في الأسلوب، بل انهيار سردية “الدبلوماسية الترهيبية”. فاستدعاء السفراء وقطع العلاقات يولد صدمة إعلامية آنية، لكنه نادرًا ما ينتج مكاسب استراتيجية مستدامة. في نظام دولي متعدد الأقطاب، لم يعد النفوذ يُبنى على الخطاب السيادي وحده، بل على الثبات، والقدرة على التنبؤ، وتحويل الالتزامات إلى أفعال.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل تمثل البراغماتية الحالية تحولًا دائمًا نحو الواقعية الاقتصادية، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل عودة منطق التصعيد؟ في كلتا الحالتين، يبدو أن “النيف” قد انكسر، وربما يشكل هذا الانكسار—أكثر من الشيكات والتنازلات—نقطة التحول الحقيقية في مسار الدبلوماسية الجزائرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com