ما بعد الصحراء: هاجس الحدود… الجزائر تطلب الضمانات وواشنطن تمسك بالمفاتيح
بوشعيب البازي
في وقتٍ تتجه فيه قضية الصحراء نحو أفق تسوية غير مسبوقة، تقودها الولايات المتحدة عبر مفاوضات مباشرة ومتعددة الأطراف، بدأت الجزائر تُزيح الستار عن هواجسها الحقيقية التي لطالما ظلت مسكوتًا عنها خلف خطاب «حق تقرير المصير». فالنقاش، كما تكشفه التحليلات الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لم يعد يدور فقط حول مستقبل الإقليم، بل بات يمسّ جوهر الدولة الجزائرية نفسها: قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، وحدودٌ يعرف صانع القرار في الجزائر أنها لم تكن يومًا بريئة من الاقتطاع.
مفاوضات غير مسبوقة… ونهاية احتكار الأمم المتحدة
الدينامية الحالية تمثل قطيعة واضحة مع عقود من الجمود الذي طبع المسار الأممي التقليدي. فمنذ انتقال الملف من الإشراف الحصري للأمم المتحدة إلى رعاية أمريكية مباشرة، تغيرت قواعد اللعبة. فقد قادت الولايات المتحدة الأمريكية، بدعم أممي، محادثات جمعت المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، انطلقت في مدريد قبل أن تنتقل إلى واشنطن يومي 23 و24 فبراير.
هذه المفاوضات، التي أشرف عليها مبعوث الرئيس دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، مسعد بولس، إلى جانب الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، تستند بشكل صريح إلى مبادرة الحكم الذاتي المغربية، وهو ما أكدته الأمم المتحدة رسميًا على لسان ستيفان دوجاريك، الذي وصف النقاشات بأنها «معمقة ومشجعة».
هذا التصريح لم يكن بروتوكوليًا، بل شكّل إقرارًا أمميًا بأن المقترح المغربي أصبح الإطار المرجعي الوحيد للنقاش، انسجامًا مع مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في أكتوبر 2025.
الجزائر… من الإنكار إلى البحث عن ضمانات
نجحت واشنطن، وفق تحليل معهد واشنطن، في كسر أحد أكبر الطابوهات الدبلوماسية: إجبار الجزائر على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بصفتها طرفًا فعليًا في النزاع، بعد سنوات من الاحتماء بوضعية «الملاحظ الإقليمي». ويقر المعهد بأن هذا التحول لم يكن طوعيًا، بل جاء نتيجة مزيج من الضغوط، من بينها تهديدات الكونغرس بفرض عقوبات بسبب صفقات السلاح الروسية، والتلويح بتصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية.
بهذا المعنى، لم يعد الدور الجزائري محل جدل أو تأويل؛ لقد أصبح معطى ثابتًا في المعادلة السياسية الجديدة.
لكن اللافت أن مشاركة الجزائر لا تنبع من قناعة بحل النزاع، بل من خشية عميقة مما بعده.
عقدة «الصحراء الشرقية»: ما لا يُقال علنًا
في تحليل بعنوان «الحساسيات القديمة بين الجزائر والرباط تفرض على واشنطن توخي حذر شديد»، يسلط معهد واشنطن الضوء على الخلفية التاريخية التي تفسر تصلب الجزائر. وترى الباحثتان سابينا هينبيرغ و**سوهير مديني** أن أي تسوية لا يمكن أن تنجح دون مراعاة «الهواجس الوجودية» للنخب الجزائرية، وفي مقدمتها مسألة الحدود.
ويذهب التحليل إلى أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن اعتقال الكاتب بوعلام صنصال بعد تصريحاته حول كون غرب الجزائر جزءًا تاريخيًا من المغرب قبل الاستعمار الفرنسي، يعكس درجة الحساسية التي بلغتها هذه القضية داخل النظام الجزائري. فخلف هذا الاعتقال، تختبئ مخاوف حقيقية من إعادة فتح ملف «الصحراء الشرقية»، أي الأقاليم التي اقتُطعت من المغرب وضُمّت إلى الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية.
من بومدين إلى اليوم: ثبات العقيدة لا تغيّر الشعارات
الأرشيفات الفرنسية، ولا سيما وثائق مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس (SDECE)، تكشف أن هذا الهاجس ليس وليد اللحظة. ففي عام 1966، وبعد الإطاحة بـ أحمد بن بلة، عبّر هواري بومدين صراحة عن رفضه لاستقلال الصحراء الإسبانية، بل ودعمه استمرار الوجود الإسباني نكاية في المطالب المغربية، مع طموح واضح للحصول على منفذ إلى المحيط الأطلسي.

من هذا المنظور، لم يكن دعم البوليساريو يومًا مسألة مبدئية، بل أداة استراتيجية لمنع المغرب من ترسيخ عمق جيوسياسي قد يُعيد مستقبلاً طرح مسألة الحدود.
واشنطن… من وسيط إلى ضامن؟
اليوم، وبعد أن تلاشى حلم المنفذ الأطلسي، تعود الجزائر إلى جوهر هواجسها الأولى: تحييد أي مطالبة مغربية مستقبلية بالأقاليم التي تعتبرها الرباط تاريخيًا جزءًا من ترابها. ومن هنا، يصبح طلب الضمانات الأمريكية شرطًا غير معلن لاستمرار المشاركة الجزائرية في المسار التفاوضي.
إن السرية الشديدة التي تطبع هذه المفاوضات لا تعكس فقط حساسية الملف، بل أيضًا رغبة الجزائر في إخفاء حقيقة موقفها الداخلي، حيث تتهاوى شعارات «المبادئ» كلما اقتربت لحظة الحقيقة.
ما يتكشف اليوم هو أن معركة الجزائر الحقيقية ليست في العيون أو السمارة، بل في تندوف، والساورة، وتوات، وقورارة، وتيديكلت. فبالنسبة للنظام الجزائري، ما بعد الصحراء أخطر من الصحراء نفسها.
أما الولايات المتحدة، فوجدت نفسها، بحكم الأمر الواقع، في موقع الحكم والضامن معًا. وضامن الحدود، كما يُظهر التاريخ، هو أخطر أدوار الجيوسياسة.