نحو إعادة توصيف النزاع: دلالات المبادرة التشريعية الأميركية لتصنيف «بوليساريو» تنظيماً إرهابياً

بوشعيب البازي

بروكسل – تأتي المبادرة التشريعية التي شهدها الكونغرس الأميركي، والرامية إلى دراسة تصنيف جبهة بوليساريو ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، في سياق دولي وإقليمي بالغ الحساسية، يتقاطع فيه المسار السياسي لنزاع الصحراء المغربية مع التحولات العميقة التي تعرفها مقاربات الأمن القومي الأميركي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

فبالتوازي مع الحراك الدبلوماسي الذي تقوده واشنطن لإعادة ضبط مسار التسوية على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، برز داخل المؤسسة التشريعية الأميركية توجّه متنامٍ لإعادة توصيف الجبهة الانفصالية، ليس باعتبارها فاعلاً سياسياً في نزاع إقليمي، بل ككيان أمني ذي ارتباطات عابرة للحدود، محتمل الخطورة على الاستقرار الإقليمي.

مبادرة عابرة للحزبية ودلالاتها السياسية

يقود هذه المبادرة كل من النائب الجمهوري جو ويلسون والنائب الديمقراطي جيمي بانيتا، في خطوة لافتة تعكس توافقاً نادراً بين الحزبين حول طبيعة التهديدات الأمنية في الفضاء المغاربي–الساحلي. وقد تعزز هذا المسار بانضمام النائب الجمهوري زاكاري نان، وهو ضابط سابق في سلاح الجو الأميركي، إلى لائحة الداعمين، بعد أيام من إعلان بات هاريغان موقفاً مماثلاً.

ولا يقل أهمية عن ذلك إعلان السيناتور الجمهوري تيد كروز عزمه تقديم نص تشريعي موازٍ داخل مجلس الشيوخ، بما يرفع المبادرة من مستوى النقاش البرلماني الجزئي إلى أفق أوسع داخل منظومة القرار في واشنطن.

الإطار القانوني الأميركي: من التوصيف إلى التفعيل

يمنح القانون الأميركي وزارة الخارجية صلاحية إدراج كيانات أجنبية ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، استناداً إلى معايير دقيقة تشمل الانخراط في أعمال عنف عابر للحدود أو تهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. ويكتسي هذا المسار أهمية خاصة، لأنه لا يظل في حدود التوصيف السياسي، بل يترتب عنه تفعيل آليات قانونية صارمة، من تجميد الأصول المالية، إلى حظر الأنشطة، وتجريم أي شكل من أشكال الدعم أو التعاون.

وقد سبق للإدارة الأميركية أن لجأت إلى هذا الإطار في حالات مماثلة، ما يمنح المبادرة الحالية مصداقية إجرائية، ويجعلها أكثر من مجرد ورقة ضغط ظرفية في سياق التفاوض.

من النزاع الإقليمي إلى التهديد الأمني

يكتسب هذا التوجه زخماً إضافياً في ظل ما عبّر عنه تيد كروز من مخاوف تتعلق بما وصفه بـ«حوثنة بوليساريو»، في إشارة إلى تقاطع محتمل بين الجبهة الانفصالية وشبكات نفوذ إيرانية، سواء على مستوى التكنولوجيا العسكرية أو خطوط الإمداد غير النظامية في منطقة الساحل. هذا الربط، وإن كان محل نقاش أكاديمي وأمني، يعكس تحوّلاً نوعياً في النظرة الأميركية، حيث لم تعد بوليساريو تُقرأ فقط من زاوية النزاع المغربي–الجزائري، بل من منظور أوسع يتعلق بأمن شمال أفريقيا والامتداد الساحلي الصحراوي.

انعكاسات دبلوماسية وإقليمية محتملة

في حال مضت الإدارة الأميركية في دراسة جدية للتصنيف، فإن التداعيات لن تقتصر على الجبهة الانفصالية وحدها، بل ستطال البيئة الحاضنة لها، وعلى رأسها الجزائر، التي ستجد نفسها أمام معادلة دبلوماسية أكثر تعقيداً، خاصة في ظل مشاركتها الأخيرة في محادثات واشنطن بصفتها طرفاً في النزاع، لا مجرد ملاحظ.

كما أن اعتماد هذا التوصيف من قبل الولايات المتحدة من شأنه أن يفتح الباب أمام مبادرات مماثلة داخل برلمانات دول غربية أخرى، ما قد يؤدي إلى تضييق الخناق السياسي والمالي على الجبهة، وتقليص قدرتها على المناورة الدبلوماسية.

منطق الحوافز والردع

لا يغفل المقترح التشريعي الأميركي البعد التحفيزي، إذ يتيح للرئيس دونالد ترامب إمكانية تعليق العقوبات أو التراجع عن التصنيف في حال انخراط بوليساريو “بحسن نية” في مفاوضات جدية لتنفيذ مقترح الحكم الذاتي. ويعكس هذا البند فلسفة أميركية تقليدية تجمع بين الردع القانوني وفتح مسارات الخروج السياسي، بما يخدم هدف الاستقرار الإقليمي.

إن المبادرة التشريعية الأميركية لا يمكن قراءتها كحدث معزول، بل كجزء من إعادة هندسة شاملة للمقاربة الدولية لنزاع الصحراء المغربية. فهي تنقل الملف من دائرة «النزاع المجمد» إلى فضاء التقييم الأمني والقانوني، وتمنح الموقف المغربي سنداً مؤسساتياً داخل إحدى أكثر العواصم تأثيراً في النظام الدولي.

وبذلك، تدخل القضية مرحلة جديدة، يصبح فيها السؤال المركزي ليس فقط حول شكل الحل السياسي، بل حول كلفة الاستمرار خارج منطق التسوية الواقعية، في عالم بات يربط الشرعية السياسية بالمسؤولية الأمنية، ويفضّل حلول الاستقرار على أوهام النزاعات المؤبدة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com