واشنطن وإعادة هندسة بعثات الأمم المتحدة: المينورسو في قلب التحول الجيوستراتيجي
يوسف لفرج
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، عبر مكتب شؤون المنظمات الدولية، تبنّي الولايات المتحدة استراتيجية دبلوماسية جديدة تروم إجراء مراجعة شاملة لبعثات حفظ السلام والبعثات السياسية التابعة للأمم المتحدة، في خطوة تعكس تحوّلاً نوعياً في مقاربة واشنطن لانخراطها متعدد الأطراف. ويقوم هذا التوجه على مبدأ أساسي: إنهاء التفويضات التي استنفدت مبررات وجودها، أو ثبت ضعف مردوديتها العملياتية والسياسية.
في صدارة البعثات المعنية بهذا التقييم الصارم، تبرز بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (المينورسو)، باعتبارها نموذجاً لبعثة طويلة الأمد، لم تعد تتماشى – وفق الرؤية الأميركية – مع التحولات العميقة التي عرفها النزاع، سواء على المستوى الميداني أو السياسي.
من منطق التدبير إلى منطق الحسم
يعكس التوجه الأميركي الجديد قناعة متزايدة داخل دوائر القرار في واشنطن بأن المقاربات الأممية التقليدية، القائمة على إدارة الأزمات بدل حلّها، لم تعد قابلة للاستدامة. فبعثة المينورسو، التي أُنشئت سنة 1991 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، ارتبط وجودها بسياق دولي مختلف، وبفرضيات سياسية تجاوزها الواقع.
اليوم، تسعى الولايات المتحدة إلى ربط الجدوى التشغيلية للبعثات الأممية بالأفق السياسي، وهو ما يعني عملياً إعادة النظر في مهام المينورسو في ضوء المستجدات، وعلى رأسها دعم المجتمع الدولي المتنامي لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والانتقال من مرحلة “تدبير النزاع” إلى مرحلة “تسوية النزاع”.
القرار 2797 وسؤال الفعالية الميدانية
يندرج هذا التوجه في سياق الدينامية التي أفرزها قرار مجلس الأمن رقم 2797، والذي كرّس لغة أكثر وضوحاً بشأن واقعية الحلول السياسية، ودعا إلى تجاوز منطق الانتظار المفتوح. كما عززت الزيارات التفقدية الأممية الأخيرة، لاسيما إلى العيون، قناعة متزايدة بأن المعطيات الميدانية لم تعد تبرر استمرار الانتشار العسكري واللوجستي للبعثة بنفس الصيغة والحجم.
وتشير معطيات أممية إلى أن المفاوضات التي احتضنتها واشنطن خلال الأيام الأخيرة، ناقشت سيناريوهات متعددة، من بينها التفكيك التدريجي لبعثة المينورسو ابتداءً من شهر أبريل المقبل، انسجاماً مع التوجه الدولي الهادف إلى إعادة هيكلة بعثات الأمم المتحدة غير القادرة على تحقيق اختراق سياسي ملموس.
إعادة ترتيب أولويات الانخراط الدولي
لا يقتصر هذا التحول على ملف الصحراء المغربية، بل يعكس توجهاً أوسع داخل الإدارة الأميركية لإعادة ترتيب أولويات الانخراط الدولي، عبر تركيز الموارد السياسية والمالية على المهام التي تُظهر مؤشرات واضحة على الفعالية والاستدامة في مجالي الأمن والاستقرار، مقابل تقليص الالتزامات في عمليات طويلة الأمد دون أفق حاسم.
وتستند هذه المقاربة إلى قراءة براغماتية تعتبر أن استمرار بعثات أممية بلا نتائج ملموسة لا يخدم لا الاستقرار الإقليمي ولا مصداقية منظومة الأمم المتحدة، بل يساهم في تكريس الجمود وإعادة إنتاج الأزمات.
المينورسو بين التحول والاختبار الأخير
يرى مراقبون أن هذه المرحلة تمثل منعطفاً استراتيجياً حاسماً في التعاطي مع ملف الصحراء المغربية، حيث لم تعد المينورسو تُقَيَّم بوصفها أداة تقنية محايدة، بل كعنصر من عناصر معادلة سياسية أشمل. فإما أن تتكيّف مع واقع جديد يقود إلى تسوية نهائية، أو أن تُدرج ضمن قائمة البعثات التي أنهت دورها التاريخي.
في هذا الإطار، يشكل التوجه الأميركي رسالة واضحة مفادها أن زمن البعثات المفتوحة دون أفق سياسي يقترب من نهايته، وأن الشرعية الدولية باتت تُقاس بقدرة الفاعلين الأمميين على مواكبة التحولات الواقعية، لا بتجميدها.
إن إعادة تقييم بعثة المينورسو لا تمثل مجرد إجراء إداري أو مالي، بل تعكس تحولاً جيوستراتيجياً في مقاربة النزاعات الإقليمية، قوامه الربط الصارم بين الفعل الأممي والنتيجة السياسية. وفي حالة الصحراء المغربية، تفتح هذه الدينامية الباب أمام انتقال نوعي من مرحلة إدارة النزاع إلى أفق التسوية النهائية، وفق منطق الواقعية السياسية والاستقرار الإقليمي.
وبذلك، يجد الملف نفسه أمام اختبار تاريخي: إما استثمار التحول الدولي الراهن لإنهاء نزاع طال أمده، أو المخاطرة بسقوط آخر مظاهر التدبير الأممي التقليدي في عالم لم يعد يتسامح مع النزاعات المجمدة ولا مع بعثات بلا أفق.