عملية عسكرية كبرى ضد إيران: زلزال جيوستراتيجي يعيد تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط
بوشعيب البازي
يحمل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن بدء “عملية قتالية كبيرة” ضد إيران أبعاداً تتجاوز الإطار العسكري المباشر، ليشكّل نقطة تحوّل جيوستراتيجية ذات تداعيات عميقة على المستويات الإقليمية والدولية والسياسية. فالقرار لا يندرج في خانة الضربات المحدودة أو الرسائل التحذيرية، بل يعكس انتقالاً واضحاً إلى منطق المواجهة المفتوحة، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر وإعادة رسم للتحالفات.
التداعيات الإقليمية – الخليج في قلب العاصفة
تصعيد التوتر في الخليج
أي عملية عسكرية أميركية بهذا الحجم تضع منطقة الخليج أمام سيناريوهات شديدة التعقيد. فمن المرجح أن تلجأ طهران إلى ردود فعل غير متماثلة، سواء عبر استهداف مباشر للمصالح الأميركية، أو من خلال توجيه ضربات لحلفاء واشنطن الإقليميين. هذا النمط من الرد، الذي راكمته إيران خلال السنوات الماضية، يجعل من ساحات متعددة مسرحاً محتملاً للاشتباك.
تهديد الملاحة الدولية
يبقى مضيق هرمز الحلقة الأضعف والأخطر في آن واحد. فالممر البحري الذي تعبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية قد يتحول إلى ساحة مواجهة مباشرة أو غير مباشرة، ما يضع أمن الطاقة العالمي تحت تهديد فوري، ويمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية عالية الكلفة.
ارتدادات على الدول المجاورة
توسّع نطاق العمليات قد يجر دولاً مجاورة، مثل العراق وسوريا ودول الخليج، إلى تداعيات أمنية مباشرة، سواء عبر تسلل جماعات مسلحة، أو عبر استخدام أراضيها كساحات اشتباك بالوكالة. في هذا السياق، تصبح الحدود السياسية أقل صلابة أمام منطق الجغرافيا العسكرية.
التداعيات الدولية – انقسام النظام العالمي
أسواق الطاقة تحت الضغط
الانعكاس الفوري لأي تصعيد في الخليج يتمثل في ارتفاع أسعار النفط والغاز. المخاوف من تعطّل الإمدادات، ولو جزئياً، كفيلة بإرباك الأسواق العالمية، وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة، في لحظة يعاني فيها الاقتصاد العالمي أصلاً من هشاشة متراكمة.
انقسام داخل المجتمع الدولي
العملية الأميركية مرشحة لتعميق الانقسام داخل مجلس الأمن الدولي. فبينما قد تدعم بعض القوى الكبرى الموقف الأميركي تحت عنوان “منع الانتشار النووي”، ستدعو أطراف أخرى إلى ضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية، ما يعيد مشهد الشلل السياسي في المؤسسات الدولية.
احتمال توسّع رقعة الصراع
إذا ما لجأت إيران إلى تفعيل شبكة حلفائها الإقليميين، سواء في لبنان أو اليمن، فإن الصراع قد يتحول من مواجهة ثنائية إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، يصعب التحكم في مساراتها أو سقوفها الزمنية.
الانعكاسات السياسية – رهانات داخلية ومآلات تفاوضية
الداخل الأميركي
سياسياً، قد يُستخدم هذا التصعيد لتعزيز صورة القيادة الحازمة في الداخل الأميركي، خصوصاً في سياق استقطاب سياسي حاد. غير أن الكلفة البشرية والاقتصادية لأي تورط طويل الأمد قد تفتح باباً واسعاً للجدل الداخلي حول جدوى الخيار العسكري مقارنة بالمسارات الدبلوماسية.
الملف النووي الإيراني
يعكس الإعلان الأميركي إصرار واشنطن على منع طهران من امتلاك سلاح نووي، لكنه في المقابل قد يدفع القيادة الإيرانية إلى مزيد من التصلب، وربما تسريع خطواتها النووية كأداة ردع، ما يقوض أي أفق قريب لإحياء المسار التفاوضي.
ما نشهده اليوم ليس مجرد عملية عسكرية، بل لحظة مفصلية في توازنات الشرق الأوسط. فالقرار الأميركي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الغموض الاستراتيجي، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية والاقتصادية. وبين منطق القوة ومنطق الدبلوماسية، تقف المنطقة والعالم أمام سؤال واحد:
هل ينجح احتواء هذا التصعيد قبل أن يتحول إلى صراع شامل، أم أننا أمام بداية مرحلة طويلة من عدم الاستقرار الإقليمي والدولي؟
الإجابة ستتحدد ليس فقط على وقع الصواريخ، بل أيضاً في كواليس السياسة الدولية، حيث تُرسم خرائط ما بعد المواجهة.