لم تكن الضربات الإسرائيلية–الأميركية المشتركة التي استهدفت إيران فجر السبت مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل شكّلت، بكل المقاييس، حملة استراتيجية مركزة ذات هدف واحد بالغ الدقة: تصفية المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي. ومع تسرب التقارير الرسمية الإيرانية تباعاً، تأكد أن الرجل الذي حكم إيران لأكثر من ثلاثة عقود، وأدار توازناتها الداخلية والخارجية بقبضة أيديولوجية صارمة، قد غادر المشهد نهائياً.
الحدث في ذاته يتجاوز منطق الاغتيال السياسي إلى مستوى الصدمة البنيوية. فالسؤال الجوهري لم يعد: من نفّذ؟ بل: كيف تم اختراق كل هذه الطبقات الأمنية التي تحيط بالرمز الأقدس للنظام؟ ولماذا فشلت أجهزة يفترض أنها من الأكثر تشدداً وانغلاقاً في العالم في حماية مركز ثقل السلطة؟
إخفاق أمني يكشف هشاشة الردع
لم يكن خامنئي زعيماً رمزياً، بل كان صاحب القرار النهائي في كل الملفات الحساسة: البرنامج النووي، السياسة الإقليمية، تعيين قادة الحرس الثوري الإيراني، وإدارة التفاوض مع الغرب. رفضه لأي تسوية جوهرية مع الولايات المتحدة لم يكن موقفاً تكتيكياً، بل عقيدة سياسية تعتبر أي تنازل تهديداً وجودياً للنظام.
التقارير التي تشير إلى استهدافه في موقع واحد مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تعني أن المعلومات الاستخبارية بلغت مستوى غير مسبوق من الدقة. هنا تحديداً تتجلى المعضلة: إذا كان النظام عاجزاً عن حماية قمته، فما الذي تبقى من مفهوم الردع الإيراني؟
اختراق من الداخل أم تفوق تكنولوجي؟
السيناريوهات متعددة، لكنها جميعاً قاتمة. الاحتمال الأول يتحدث عن اختراق بشري عميق داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالمرشد، سواء عبر مستشارين أو عناصر حماية. تجربة اغتيال قاسم سليماني عام 2020 كانت دليلاً على قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على النفاذ إلى أعلى مستويات القرار.
الاحتمال الثاني يرتبط بالتفوق التكنولوجي، من خلال تتبع الإشارات والتنصت المتقدم، رغم إجراءات التمويه الصارمة التي اتبعها خامنئي، خاصة بعد اختفائه تحت الأرض خلال حرب يونيو 2025.
لكن السيناريو الأخطر هو الثالث: انقسام داخلي صامت، رأت فيه بعض الأجنحة أن رحيل خامنئي ضرورة استراتيجية لإعادة توجيه دفة النظام، فتم التغاضي عن ثغرات قاتلة في منظومة الحماية.
هل كان خامنئي العقبة الأخيرة؟
هذا السؤال يفتح جوهر التحليل الجيوسياسي. خامنئي لم يكن فقط مرشداً أعلى، بل الحارس الأيديولوجي لنظرية ولاية الفقيه. في المقابل، برزت خلال الأشهر الماضية مؤشرات على صعود تيار براغماتي داخل النظام، أبدى استعداداً لتنازلات كانت محرّمة سابقاً، بما فيها تخفيف تخصيب اليورانيوم وإخراج جزء من المخزون إلى الخارج.
هذا الانقسام البنيوي بين المتشددين والبراغماتيين يجعل من اغتيال خامنئي لحظة مفصلية، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً، لأنه أزال العائق الأكثر صلابة أمام أي تسوية محتملة مع الغرب.
فراغ القيادة ومأزق الخلافة
الدستور الإيراني يمنح مجلس الخبراء صلاحية تعيين المرشد الجديد، لكن المشكلة أن خامنئي لم يترك خليفة واضحاً. الأسماء المتداولة، من مجتبى خامنئي إلى حسن الخميني أو صادق لاريجاني، تفتقر إما للإجماع أو للهيبة التي راكمها الراحل على مدى عقود. هذا الفراغ يضع النظام أمام اختبار وجودي: إنتاج قائد توافقي، أو الانزلاق إلى صراع أجنحة مفتوح.
الحرس الثوري بين الصدمة والهيمنة
المؤسسة الأكثر تأثيراً اليوم هي الحرس الثوري. اغتيال راعيه الأول شكّل ضربة معنوية واستراتيجية له، في وقت تشير فيه الضربات الدقيقة التي طالت قياداته وشبكاته الإقليمية، بما فيها حزب الله، إلى اختراق استخباري مقلق. إذا كانت هذه المؤسسة نفسها مخترقة، فإن قدرتها على إدارة مرحلة انتقالية تبدو موضع شك.
ارتدادات دولية وإقليمية
بالنسبة للولايات المتحدة، يفتح الحدث نافذة فرص تاريخية، لكن بحذر شديد. فالمعضلة الإيرانية لا تختزل في شخص واحد، بل في منظومة مصالح معقدة. أما إسرائيل، التي ترى في العملية إنجازاً استراتيجياً، فهي تدرك في المقابل أن إيران ما بعد خامنئي قد تكون أكثر خطورة إذا انزلقت نحو الفوضى أو إذا ظهر خليفة يسعى لإثبات شرعيته بالتصعيد.
ما بعد خامنئي: فرصة أم فوضى؟
التاريخ يقول إن الأنظمة الأيديولوجية لا تنهار بموت قائد واحد. مؤسسات مثل مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام ستستمر، وقد تنتج قيادة جديدة أقل كاريزما لكنها متمسكة بالنهج ذاته. غير أن الواقع الجديد لا يمكن تجاهله: إيران لم تعد آمنة لقادتها، وقدرتها على الردع اهتزت، والاختراق وصل إلى عمق العظم.
هذا المعطى قد يدفع القيادة المقبلة إلى إعادة حساباتها، لا بدافع المصالحة، بل بدافع البقاء.
إيران التي استيقظت بعد اغتيال خامنئي ليست هي إيران الأمس. المشهد مفتوح على احتمالين متناقضين: انفتاح سياسي حذر يقوده البراغماتيون، أو فوضى داخلية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. الغرب يراقب، الخليج يترقب، وإسرائيل تستعد لكل السيناريوهات. أما الشعب الإيراني، الذي خبر الاحتجاج والقمع، فقد يجد نفسه بين أمل التغيير وخطر المجهول. وحدها الأسابيع المقبلة ستحدد الاتجاه، لكن المؤكد أن لحظة خامنئي انتهت، ومعها انتهى وهم الحصانة المطلقة للنظام.